تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم..

[المائدة: 117]. أما الآخرون فقالوا: ما أضللناهم، بل هم ضلوا السبيل. وكلمة ﴿ عبادي.. ﴾ [الفرقان: 17] سبق أن قلنا إن عبد تجمع على عباد وعبيد، وعبد يعني أنه خاضع لأمر السيد، وليس له تصرف من ذاته، إن نظرت هذه النظرة فكل خلق الله عبيد لأن هناك أشياء لا يخرجون فيها عن مراد الله تعالى كميلاده على شكل خاص أو مرضه أو وفاته. لذلك نقول للذين ألفوا مخالفة أوامر الله والتمرد عليه سبحانه: قد تتمردون على الإيمان به فتكفروا، وقد تتمردون على الإيمان برسوله فتكذبوا، وقد تتمردون على حكم من الأحكام فتخالفوه. إذن: لكم جرأة على المخالفة وإلف للتمرد، وما دام لك دربة على ذلك، فعليك أن تتمرد أيضا عند المرض وتقول: لن أمرض وتتمرد على الموت فلا تموت، لكن هيهات، فهذه مسائل، الكل فيها عبيد لله مقهورون لإرادته سبحانه، المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. وهناك أمور أخرى جعلها الله بالاختيار، فالذين سبقت لهم من الله الحسنى، وألهموا التوفيق يتنازلون عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده، فيكونون عبيدا لله في كل الأمور القهريات وغير القهريات، وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا عبادا لله. فالعباد - إذن - يشتركون مع العبيد في القهريات، ويتميزون عنهم بتنازلهم عن مرادهم لمراد ربهم، وعن اختيارهم لاختياره عز وجل لذلك سماهم عبادا، كما جاء في قوله سبحانة:

وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما

[الفرقان: 63]. والاستفهام في قوله سبحانه: ﴿ أأنتم أضللتم عبادي.. ﴾ [الفرقان: 17] يقول فيه بعض غير المؤهلين للفهم عن الله: أما كان يقول: أأضللتم عبادي؟ ونقول لهؤلاء: ليس لديكم الملكة اللغوية لفهم القرآن، فأنت تستفهم عن الفعل إذا لم يكن موجودا أمامك، تقول: أبنيت البيت الذي أخبرتني أنك ستبنيه؟ فيخبرك: بنيته أو لم أبنه، أما حين تقول: أبنيت هذا البيت؟ فالسؤال ليس عن البناء، إنما عن فاعله، أنت أم غيرك؟ لأن البناء قائم أمامك. إذن: فرق بين السؤال عن الحدث، والسؤال عن فاعل الحدث، والضلال هنا موجود فعلا، فالسؤال عن الفاعل ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ﴾ [الفرقان: 17]. وسماهم عبادا هنا مع أنهم ضالون لأن الكلام في الآخرة، حيث لم يعد لأحد اختيار، الاختيار كان في الدنيا وعليه ميزنا بين العبيد والعباد، أما في الآخرة فالجميع عبيد والجميع عباد، فقد زال ما يميزهم لأنهم جميعا مقهورون لا اختيار لأحد منهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٠١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٠١٢