تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" بل أشبع يوما فأشكر، وأجوع ثلاثة أيام فأتضرع ".

وفي موقف آخر، قال له جبريل:

" يخيرك ربك أن تكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا فقال: بل نبيا عبدا ".

والنبي مالك منهج السماء، والملك الذي يملك السيطرة بحيث لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه، مثل سليمان عليه السلام، حيث آتاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ومع ذلك لم يكن هذا الملك هو المطلوب في ذاته، بدليل أن سليمان - عليه السلام - مع ما أوتية من الملك كان لا يأكل إلا الخوشكار يعني: الخبز الأسمر غير النقي الردة في حين يأكل عبيده ومواليه الدقيق الفاخر النقي، فلم يكن سليمان يريد الملك لذاته، إنما ليقوى به على دعوته، فلا يعارضه فيها أحد. لذلك، لما أرسلت إليه ملكة سبأ بهدية لتستميله بها وتصرفه عما يريد رد عليها:

فلما جآء سليمان قال أتمدونن بمال فمآ آتن الله خير ممآ آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون

[النمل: 36]. لذلك جاءته صاغرة تقول:

رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين

[النمل: 44]. إذن: مسألة المال هذه عرضت على رسول الله قبل أن يقترحها كفار مكة، فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد رفضه ممن يملكه، فكيف يقبله ممن لا يملك شيئا؟ لذلك قال لهم:

" والله ما بي حاجة إلى ما تقولون، فلست طالب مال، ولا ملك، ولا شرف، إنما أنا رسول الله أرسلت إليكم، ومعي كتاب فيه منهجكم، وأمرني ربي أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فإن جئتم على ما أحب فقد ضمنتم حظ الدنيا والآخرة، وإن رددتم علي قولي فإنني سأصبر إلى أن يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين ".

فلجئوا إلى عم النبي صلى الله عليه وسلم، لعله يستطيع أن يستميله، فلما كلمه عمه قال قولته المشهورة:

" والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ".

﴿ أذلك ﴾ [الفرقان: 15] أي: ما أنتم فيه الآن من العذاب خير، أم جنة الخلد التي وعد المتقون؟ احكموا أنتم في هذه المسألة وسنرضى بحكمكم، إنها إغاظة لأهل النار، حيث جمع الله عليهم مقاساة العذاب مع النظر إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم، ولو كانت الأولى وحدها لكانت كافية، إنما هو في العذاب ويأتيه أهل الجنة ليبكتوه: انظر ما فاتك من النعيم!! وفيها أيضا تقريع لهم، فليس هناك وجه للمقارنة بين الجنة والنار، فأنت مثلا لا تقول: العسل خير أم الخل لأنه أمر معروف بداهة. وسبق أن تكلمنا عن الصراط، ولماذا ضرب على متن جهنم، والجميع يمرون عليه لأن الله - تبارك وتعالى - يريد أن يجعل لك من مرائي النار التي تمر عليها فوق الصراط نعمة أخرى تذكرك بالنجاة من النار قبل أن تباشر نعيم الجنة. لذلك لا يمتن الله علينا بدخول الجنة فحسب، إنما أيضا بالنجاة من النار، فيقول سبحانه:

فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز..

[آل عمران: 185]. فالحق - سبحانه وتعالى - يذكر لنا النار، وأن من صفاتها كذا وكذا، أما في الآخرة فسوف نراها رأي العين، كما قال سبحانه:

ثم لترونها عين اليقين

[التكاثر: 7] وذلك حين تكون على الصراط، فتحمد الله على الإسلام الذي أنجاك من النار، وأدخلك الجنة، فكل نعمة منها أعظم من الأخرى. وفي قوله تعالى: ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد.. ﴾ [الفرقان: 15] كلمة خير في اللغة تدور على معنيين: خير يقابله شر، وخير يقابله خير أعظم منه. كما جاء في الحديث الشريف:

" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير "

فكلاهما فيه خير، وإن زاد الخير في المؤمن القوي، وعادة ما تأتي من في هذا الأسلوب: هذا خير من هذا. أما الخير الذي يقابله شر، فمثل قوله تعالى:

أولئك هم خير البرية

[البينة: 7]. والجنة كما نستعملها في استعمالات الدنيا، هي المكان المليء بالأشجار والمزروعات التي تستر السائر فيها، أو تستر صاحبها أن ينتقل منها إلى خارجها لأن بها كل متطلبات حياته، بحيث يستغني بها عن غيرها، لذلك أردفها الحق - تبارك وتعالى - بقوله: ﴿ الخلد.. ﴾ [الفرقان: 15]. إذن: فالجنة التي تراها في الدنيا مهما بلغت فليست هي جنة الخلد لأنها لا بد إلى زوال، فعمرها من عمر دنياها، كأنه سبحانه يقول لكل صاحب جنة في الدنيا: لا تغتر بجنتك لأنها ستؤول إلى زوال، وأشد الغم لصاحب السرور أن يتيقن زواله، كما قال الشاعر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٠٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٠٠٨