تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله

[الروم: 1-5]. فأي عقل يستطيع أن يحكم على معركة ستحدث بعد عدة سنوات؟ لو أن المعركة ستحدث غدا لأمكن التنبؤ بنتيجتها، بناء على حساب العدد والعدة والإمكانات العسكرية، لكن من يحكم على معركة ستدور رحاها بعد سبع سنين؟ ومن يجرؤ أن يقولها قرآنا يتلى ويتعبد به إلى يوم القيامة. فلو أن هذه المدة مرت ولم يحدث ما أخبر به رسول الله لكفر به من آمن وانفض عنه من حوله. إذن: ما قالها رسول الله قرآنا يتلى ويتعبد به إلا وهو واثق من صدق ما يخبر به لأن الذي يخبره ربه - عز وجل - الذي يعلم السر في السماوات والأرض لذلك قال هنا الحق سبحانه وتعالى: ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض.. ﴾ [الفرقان: 6]. ومن العجيب أن ينتصر الروم على الفرس في نفس اليوم الذي انتصر فيه الإيمان على الكفر في غزوة بدر، هذا اليوم الذي قال الله تعالى عنه:

ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله..

[الروم: 4-5]. وما دام أن الذي أنزل القرآن هو سبحانه الذي يعلم السر في السماوات والأرض، فلن يحدث تضارب أبدا بين منطوق القرآن ومنطوق الأكوان لأن خالقهما واحد - سبحانه وتعالى - فمن أين يأتي الاختلاف أو التضارب؟ ثم يقول سبحانه: ﴿ إنه كان غفورا رحيما ﴾ [الفرقان: 6] فما مناسبة الحديث عن المغفرة والرحمة هنا؟ قالوا لأن الله - تبارك وتعالى - يريد أن يترك لهؤلاء القوم الذين يقرعهم مجالا للتوبة وطريقا للعودة إليه - عز وجل - وإلى ساحة الإيمان.

لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أشار عليه بقتل الكفار:

" لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ".

وكان الصحابة يألمون أشد الألم إن أفلت أحد رءوس الكفر من القتل في المعركة، كما حدث مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص قبل إسلامهما، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدخرهم للإسلام فيما بعد. فقوله تعالى: ﴿ إنه كان غفورا رحيما ﴾ [الفرقان: 6] حتى لا يقطع سبيل العودة إلى الإيمان بمحمد على من كان كافرا به، فيقول لهم: على رغم ما حدث منكم. إن عدتم إلى الجادة وإلى حظيرة الإيمان ففي انتظاركم مغفرة الله ورحمته. والحق - تبارك وتعالى - يبين لنا هذه المسألة حتى في النزوع العاطفي عند الخلق، فهند بنت عتبة التي أغرت وحشيا بقتل حمزة عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله، ولم تكتف بهذا، بل مثلت به بعد مقتله ولاكت كبده رضي الله عنه، ومع ذلك بعد أن أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم نسيت لها هذه الفعلة وكأنها لم تكن. ولما قال أحدهم لعمر بن الخطاب: هذا قاتل أخيك يشير إليه والمراد زيد بن الخطاب، فما كان من عمر إلا أن قال: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٠٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٠٠٢