ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا..
[النحل: 67]. وهنا يمتن الله عليهم بما رزقهم به ولكن أهل الذوق يلتفتون إلى أنه لم يصف الخمر بأنها من الرزق الحسن ووصف البلح والعنب بأنه رزق حسن لأن الإنسان يتناوله دون أن يفسده. وهكذا يلتفت أهل الذوق إلى أن الخمر قد يأتي لها حكم من بعد ذلك، ثم ينزل الحق سبحانه عظة تقول:
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما..
[البقرة: 219]. وهكذا أوضح الحق سبحانه ميل الخمر والميسر إلى الإثم أكثر من ميلهما إلى النفع، ثم جاء من بعد ذلك قوله بحكم مبدئي:
لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون..
[النساء: 43]. ومعنى ذلك أن تتباعد الفترات بين تناول الخمر، فلا يحتسي أحد الخمر طوال النهار وجزء من الليل، وفي ذلك تدريب على الابتعاد عن الخمر. ثم يأتي التحريم الكامل للخمر في قوله تعالى:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون
[المائدة: 90]. وهكذا أخذ الحكم بتحريم الخمر تدرجه المناسب لعادات الناس، وتم تحريم الخمر بهوادة وعلى مراحل. وهكذا نفهم النسخ على أنه انتهاء الحكم السابق زمنا وبداية الحكم الجديد، وهذا يعني أن الحكم الأول لم يكن منسحبا على كل الزمن ثم أزلناه وجئنا بحكم آخر ولكن توقيت الحكم الأول - أزلا - قد انتهى وبدأ الحكم الجديد.
وهكذا لا يوجد مجال للاختلاف على معنى النسخ، ذلك أن الحق سبحانه أرجع المحو والإثبات إلى أم الكتاب ففيها يتحدد ميعاد كل حكم وتوقيته وميعاد مجيء الحكم التالي له. وما دام كل أمر مرسوم أزلا فعلى من يقولون أن البداء محرم على الله أن ينتبهوا إلى أن هذا المحو والإثبات ليس بداء لأن البداء يعني أن تفعل شيئا، ثم يبدو لك فساده فتغيره. والحق سبحانه لم يظهر له فساد ما أنزل من أحكام أو آيات بل هو قدر كل شيء أزلا في أم الكتاب، وجعل لكل حكم ميقاتا وميلادا ونهاية. ويصح أن يتسع معنى قول الحق سبحانه: ﴿ يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ [الرعد: 39]. ليشمل نسخ رسالة برسالة أخرى فيكون قد محا شيئا وأثبت شيئا آخر، وكل شيء فيه تغيير إلى الخير يصح فيه المحو والإثبات، وهو من عند الرقيب العتيد:
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد
[ق: 18]. أي: أنه القادر على أن يأمر الرقيب العتيد بأن يثبتا الواجبات والمحرمات، وأن يتركا الأمور المباحة، وهو القادر على أن يمحو ما يشاء من الذنوب، ويثبت ما يشاء من التوبة. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم... ﴾.