ونجد أنهار الخمر تسير أيضا في الأرض، ولا تتداخل مع أنهار الماء، وكذلك أنهار اللبن، وكل ذلك من صنعة رب حكيم قادر. أما قوله:
تجري تحتها الأنهار..
[التوبة: 100]. أي: أن منابعها ليست من تحتها مباشرة ولكنها تأتي دون نقص من جهة أنت لا تعلمها وهو سبحانه قادر على كل شيء. ويتابع سبحانه، فيقول عن تلك الجنة: ﴿ أكلها دآئم.. ﴾ [الرعد: 35]. والأكل هو ما يؤكل، وسبحانه القائل:
تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها..
[إبراهيم: 25]. وقوله: ﴿ أكلها دآئم.. ﴾ [الرعد: 35]. أي: لا ينقطع، ونعلم أن الإنسان حين يأكل فهو يفعل ذلك بهدف إشباع جوعه وبعد أن يشبع جوعه قد يطلب أن يرفع الطعام من أمامه، إلى أن يجوع، فيطلب الطعام من جديد. ومن يحبون الطعام في حياتنا الدنيا نرى الواحد منهم وهو يقول: " أشعر ببعض الضيق لأني شبعت " ، فهو في عراك بين نفس تشتهي وبين بطن لا تشبع، وكأنه كان يريد أن يستمر في تناول الطعام طوال الوقت. وقول الحق سبحانه: ﴿ أكلها دآئم.. ﴾ [الرعد: 35]. شغل هذا القول الرومان الذين كانوا أصحاب إمبراطورية عظمى زلزلها الإسلام بحضارته الوليدة، وأرسل إمبراطورهم من يطلب من أحد الخلفاء إرسال رجل قادر على شرح قول الحق: ﴿ أكلها دآئم.. ﴾ [الرعد: 35]. فأرسل لهم أحد العلماء وسألوه: يقول قرآنكم إن أكل الجنة دائم ونحن وأنتم تعلمون أن كل شيء يؤخذ منه لابد له أن ينقص فكيف يكون أكل الجنة دائما؟ قال العالم لهم: هاتوا مصباحا. فأحضروا له المصباح وأشعله أمامهم. وقال لكل منهم: فليأت كل منكم بمصباحه. فأحضر كل منهم مصباحه. وقال لهم: فليشعل كل منكم مصباحه. وهنا سألهم: ما الذي أنقصه إشعال مصابيحكم من هذا المصباح؟ قالوا: لا شيء. فقال لهم: هكذا ضرب الله لنا المثل بأكل الجنة. وبطبيعة الحال كان يجب أن يلتفتوا إلى أن المصباح يعتمد في اشتعاله على الزيت المخزون فيه، ويأتيه منه المدد، أما الجنة فمددها من الله. وهناك من قال: هل نتغوط في الجنة؟ فرد عليه واحد من العارفين: لا. فتساءل: وأين تذهب بقايا ما نأكل من طعام الجنة؟ فقال العارف بالله: مثلما تذهب بقايا ما يتغذى عليه الطفل في بطن أمه حيث يحترق هذا الفائض في مشيمة الطفل والطفل في بطن أمه إنما ينمو بشكل مستمر، معتمدا على غذاء يأتيه من أمه عبر الحبل السري. وكل تلك الأمور تقريبية تجعلنا نعبر الفجوة بين ما نشهده في حياتنا اليومية، وبين ما أعده الله للمتقين، وهو القيوم على كل أمر. وقد قال الحق سبحانه: { أكلها دآئم وظلها.
.. } [الرعد: 35]. يعني: أن الطعام موجود ولا ينتهي وكذلك الظل. والظل حجب المضيء من مكان أو حجب مكان عن المضيء، ولا أحد يعلم أنه ستوجد هناك شمس أم لا والعقل البشري قاصر عن تخيل ذلك فهو من فعل الله، وهو سبحانه قادر على كل شيء. وهو القائل سبحانه:
والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا لهم فيهآ أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا
[النساء: 57]. وهو القائل سبحانه:
وظل ممدود
[الواقعة: 30]. ويتابع سبحانه: ﴿ تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ﴾ [الرعد: 35]. أي: يا متقي الله ووضعت بينك وبين صفات جلاله وقاية، ولم تقرب محارمه واتبعت منهجه ستجد أنه سبحانه يجازيك بصفات كماله وجماله فينزلك الجنة التي وعدك بها. لذلك إن وجدت مشقة في التكليف فعليك أن تعلم أن جزاء تلك المشقة هو الجزاء الجميل لأنك صدقت رسولك صلى الله عليه وسلم حين قال:
" حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ".
والعاقل ساعة يرى تكليفا يحد من حريته فهو يستحضر الجزاء على تلك المشقة، وهو أيضا حين يرى أمرا يبدو في ظاهره شهوة عاجلة فهو يستحضر العقاب على تلك الشهوة العاجلة فيستبعدها. وأي من الجزاء الطيب أو العقاب قد يأتي فجأة لأن الموت لا ميعاد له ونحن نصدق قول رسولنا صلى الله عليه وسلم: