تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".

فلا بد أن نعلم قدر عجز اللغة عن التعبير عما في الجنة، فإذا أراد الله أن يعبر عما فيها فهو يوضح لنا بالمثل لا بالوصف، لأنه يعلم أن لغتنا تضع الألفاظ لما هو موجود في حياتنا ولا توجد ألفاظ في لغتنا تؤدي معاني ما في الجنة. ولذلك قال لنا الحق سبحانه:

مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى..

[محمد: 15]. ومع أن الحق سبحانه يضرب مثلا، إلا أنه خلص المثل من شوائبه التي نعرفها في الدنيا، فالمياه عندما تجري تكون حلوة ورائقة وصافية وإن ركدت فهي تأسن وتكون عطنة. ولذلك يوضح لنا الحق سبحانه أن المياه في الجنة غير آسنة وأنها تكون أنهارا منزوعا من مياهها ما يكدرها. وكذلك المثل بأنهار من لبن لم يتغير طعمه. واللبن كما نعرف هو غذاء البدو فهم يحلبون الماشية، ويحتفظون بألبانها في قرب لمدد طويلة فيتغير طعم اللبن ولذلك يضرب لهم المثل بوجود أنهار من لبن لم يتغير طعمه. وأيضا يضرب المثل بوجود أنهار من عسل مصفى، والعسل - كما نعرف - كان في الأصل يأتي من النحل الذي كان يسكن الجبال قبل استئناسه ووضعه في مناحل في الحدائق.

والحق - سبحانه وتعالى - هو القائل:

وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون

[النحل: 68]. وحين بحث علماء الحشرات عن تاريخ النحل، وجدوا أن أقدم عسل في العالم هو الذي كان موجودا في الكهوف الجبلية ثم يليه في العمر العسل الذي جاء من خلايا النحل تلك الخلايا التي أقامها النحل بعد استئناسه ومن بعد ذلك يأتي العسل الذي أقمنا نحن له المناحل. وقد ميزوا العسل القديم عن المتوسط عن الجديد، بأن أحرقوا بعضا من كل نوع من أنواع العسل، فنتج من الاحتراق عنصر الكربون ومن هذا العنصر اكتشفوا عمر كل نوع من الثلاثة. ويوضح الحق سبحانه أن بالجنة أنهارا من عسل مصفى، وبذلك يقدم لنا خير ما كنا نحبه من عسل الدنيا، ولكن بدون ما يكدره. ويوضح سبحانه أيضا أن في الجنة أنهارا من خمر، ولكنها خمر تختلف عن خمر الدنيا فهي لا تؤثر على التكوين العضوي للعقل، كما أن خمر الدنيا ليس فيها لذة للشاربين لأنها من كحول يكوي الفم ويلسعه ولذلك تجد من يشربها وهو يسكبها في فمه لتمر بسرعة فلا يشعر بلسعها في فمه، فتذهب إلى معدته مباشرة فتلهبها. ويختلف الحال لو كان المشروب هو شراب عصير المانجو أو البرتقال أو القصب حيث تستطيب النفس مذاق تلك الفواكه فنجد من يشربها يتمهل ليستبقى أثرها في فمه. ويقول الحق سبحانه عن خمر أنهار الجنة:

لا فيها غول..

[الصافات: 47]. أي: أنه سبحانه ينفي عن خمر أنهار الجنة كل المكدرات التي توجد في خمر الدنيا. إذن: فساعة تسمع مثلا عن الجنة فاعلم أنه مثل تقريبي لأنه لا يمكن أن تأتي الحقيقة، حيث لا يوجد لفظ يعبر عنها وهي لم توجد عندنا وسبحانه لا يخاطبنا إلا بما نعلم من اللغة لذلك يأتي لنا بالمثل المضروب لنأخذ منه صورة تقريبية. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يقول الحق سبحانه: ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار.. ﴾ [الرعد: 35]. ونعلم أن عصب حياة العرب أيام نزول القرآن كان هو الماء ألم يطلبوا من الرسول أن يفجر لهم الأنهار تفجيرا؟ نجد الحق سبحانه قد جاء بالتعبير القرآني عن أنهار الجنة بصورتين مختلفتين: أولهما: ﴿ تجري من تحتها الأنهار.. ﴾ [الرعد: 35]. مثلما قال في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها. ومرة يقول سبحانه:

تجري تحتها الأنهار..

[التوبة: 100]. والفارق بين العبارتين هو استيعاب الكمالية في النص، بمعنى أن: ﴿ تجري من تحتها الأنهار.. ﴾ [الرعد: 35]. توضح أن منابع تلك الأنهار تأتي من تحت تلك الجنة مباشرة فلا يقل الماء في تلك الأنهار أبدا. ويقال: إن الفارق بين أنهار الدنيا وأنهار الجنة أن أنهار الدنيا عبارة عن شقوق في الأرض لها شواطئ تحتضنها أما أنهار الآخرة فهي تسير على الأرض دون شواطئ تحجزها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٧٢