ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك بمجنون
[القلم: 1-2]. وهكذا رأينا أن هؤلاء الكفار ما كانوا ليؤمنوا ولم يكن الله ليهديهم لأنهم كانوا لا يملكون أدنى استعداد للهداية وكأنهم أدمنوا الكفر والعياذ بالله وقد طبع الله على قلوبهم فزادهم كفرا فما في تلك القلوب من كفر لا يخرج منها وما بخارجها لا يدخل فيها. وقد ظن بعض من المسلمين أن كفر هؤلاء قد يشقي المؤمنين بزيادة العنت من الكافرين ضدهم لذلك يوضح الحق سبحانه لأهل الإيمان أن نصره قريب، فيقول سبحانه: ﴿ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ [الرعد: 31]. أي: اطمئنوا يا أهل الإيمان فلن يظل حال أهل الكفر على ما هو عليه بل ستصيبهم الكوارث وهم في أماكنهم، وسيشاهدون بأعينهم كيف ينتشر الإيمان في المواقع التي يسودونها وتتسع رقعة أرض الإيمان، وتضيق رقعة أهل الكفر ثم يأتي نصر الله وقد جاء نصر الله ولم يبق في الجزيرة العربية إلا من يقول: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله ". وهكذا تنبأت الآية بمجيء الأمل بعد اليأس، كي لا يظل اليأس مسيطرا على حركة المسلمين وعلى نفوسهم، واستجاب الحق سبحانه لدعوته صلى الله عليه وسلم حين دعاه قائلا:
" اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف ".
وقتل صناديدهم واحدا وراء الآخر ولكن عنادهم استمر وبلغ العناد حد أن ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتا متزوجتين من ابني أبي لهب فلما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم رسالته قال أبو لهب وزوجته: لا بد أن يطلق أبناؤنا بنات محمد فلما طلق أولهما بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا:
" أما إني أسأل الله أن يسلط عليه كلبه ".
وها هو أبو لهب الكافر يقول: " لا تزال دعوة محمد على ابني تشغل بالي وتقلقني، وأخاف أن أبعث بولدي إلى رحلة الشام كي لا تستجيب السماء لدعوة محمد ". وكان من المناسب ألا يخاف، وجاء ميعاد السفر لقافلة الشام. وسافر أبو لهب مع ولديه، وحين جاء ميعاد النوم أمر أبو لهب الرجال أن يقيموا سياجا حول ولده - وكأن الرجال حوله كخط بارليف الذي بنته إسرائيل على قناة السويس ليمنع عنها صيحة النصر التي حملت صرخة الله أكبر - ثم أصبح الصبح فوجدوا أن وحشا قد نهش ابن أبي لهب. وقال الناس: كان أبو لهب يخشى دعوة محمد ورغم ذلك فقد تحققت. فقال واحد: ولكن محمدا دعا أن ينهشه كلب وقال له " أكلك كلب من كلاب الله " ولم يقل فلينهشك سبع، فرد عليه من سمعه: وهل إذا نسب كلب الله أيكون كلبا؟ لا بد أن يكون الكائن المنسوب لله كبيرا. وهكذا دقت القارعة بيت الرجل الذي أصر على الكفر، وتحقق قول الله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم.. ﴾ [الرعد: 31]. نعم، فهم قد أسرفوا في الكفر والعناد فجاءتهم القارعة والقارعة هي الشيء الذي يطرق بعنف على هادئ ساكن، ومنها نأخذ قرع الباب، وهناك فرق بين " نقر الباب " و " قرع الباب ". وقول الحق سبحانه: ﴿ أو تحل قريبا من دارهم.. ﴾ [الرعد: 31]. يوضحه أمر صلح الحديبية الذي جاء بشارة للمسلمين فقد صار كفار قريش يفاوضون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث بالسرايا إلى المناطق المحيطة بمكة فتأتي القبائل أفواجا وهي تعلن إسلامها ويبلغ ذلك قريشا بأن الإسلام يواصل زحفه ثم تأتيهم القارعة بأن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة ويتحقق وعد الله بأن يدخلوا هم أيضا إلى حظيرة الإسلام. أو: أن يكون المقصود ب: ﴿ حتى يأتي وعد الله.. ﴾ [الرعد: 31]. هو مجيء يوم القيامة الذي يحمل وعد الله بأن يحل عليهم ما يستحقونه من عذاب. وفي هذا القول تطمين لمن قال الحق سبحانه في أول هذه الآية: ﴿ أفلم ييأس.. ﴾ [الرعد: 31]. ذلك أن الله لا يخلف وعده، وهو القائل في تذييل هذه الآية: ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ [الرعد: 31].