وقد لمس المؤمنون أن أخبار النبي التي يقولها لهم قد تعدت محيطهم البيئي المحدود إلى العالم الواسع بجناحيه الشرقي في فارس، والغربي في الروم. وقد أعلن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - على سبيل المثال - خبر انتصار الروم على الفرس، حين أنزل الحق سبحانه قوله:
الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين..
[الروم: 1-4]. فأروني أي عبقرية في العالم تستطيع أن تتحكم في نتيجة معركة بين قوتين تصطرعان وتقتتلان وبعد ذلك يحدد من الذي سينتصر، ومن الذي سيهزم بعد فترة من الزمن تتراوح من خمس إلى تسع سنوات؟ وأيضا تأتي الأحداث العالمية التي لا يعلم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، وتوافق ما جاء بالقرآن. وكل ذلك يجعل المؤمنين بالقرآن في حالة اطمئنان إلى أن هذا القرآن صادق، وأنه من عند الله، ويصدق هذا قول الحق سبحانه: ﴿ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ [الرعد: 28]. ونعلم أن الكون قد استقبل الإنسان الأول - وهو آدم عليه السلام - استقبالا، وقد هيئ له فيه كل شيء من مقومات الحياة وصار الإنسان يعيش في أسباب الله، تلك الأسباب الممدودة من يد الله فنأخذ بها وتترقى حياتنا بقدر ما نبذل من جهد. وما أن نموت حتى نصل إلى أرقى حياة إن كان عملنا صالحا وحسن إيماننا بالله فبعد أن كنا نعيش في الدنيا بأسباب الله الممدودة فنحن نعيش في الآخرة بالمسبب في جنته التي أعدها للمتقين. وقول الحق سبحانه: ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ [الرعد: 28]. يعني: أن الاطمئنان مستوعب لكل القلوب فكل إنسان له زاوية يضطرب فيها قلبه وما أن يذكر الله حتى يجد الاطمئنان ويتثبت قلبه. وقد حاول المستشرقون أن يقيموا ضجة حول قوله تعالى: ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ [الرعد: 28]. وتساءلوا: كيف يقول القرآن هنا أن الذكر يطمئن القلب ويقول في آية أخرى:
إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم..
[الأنفال: 2]. فأي المعنيين هو المراد؟ ولو أن المستشرقين قد استقبلوا القرآن بالملكة العربية الصحيحة لعلموا الفارق بين: ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ [الرعد: 28]. وبين قول الحق سبحانه:
إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم..
[الأنفال: 2]. فكأنه إذا ذكر الله أمام الناس وكان الإنسان في غفلة عن الله هنا ينتبه الإنسان بوجل. أو: أن الحق سبحانه يخاطب الخلق جميعا بما فيهم من غرائز وعواطف ومواجيد فلا يوجد إنسان كامل ولكل إنسان هفوة إلا من عصم الله. وحين يتذكر الإنسان إسرافه من جهة سيئة فهو يوجل وحين يتذكر عفو الله وتوبته ومغفرته يطمئن. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ الذين آمنوا وعملوا... ﴾.