إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]. ويأتي الذكر مرة، ويراد به الصيت والشهرة والنباهة، يقول تعالى:
وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون
[الزخرف: 44]. أي: أنه شرف عظيم لك في التاريخ، وكذلك لقومك أن تأتي المعجزة القرآنية من جنس لغتهم التي يتكلمون بها. وقد يطلق الذكر على الاعتبار والحق سبحانه يقول:
ولكن متعتهم وآبآءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا
[الفرقان: 18]. أي: نسوا العبر التي وقعت للأمم التي عاشت من قبلهم فنصر الله الدين رغم عناد هؤلاء. وقد يطلق الذكر على كل ما يبعثه الحق سبحانه على لسان أي رسول:
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43]. وقد يطلق الذكر على العطاء الخير من الله. ويطلق الذكر على تذكر الله دائما وهو سبحانه القائل:
فاذكروني أذكركم..
[البقرة: 152]. أي: اذكروني بالطاعة أذكركم بالخير والتجليات، فإذا كان الذكر بهذه المعاني فنحن نجد الاطمئنان في أي منها، فالذكر بمعنى القرآن يورث الاطمئنان. ويقول الحق سبحانه:
يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما
[الأحزاب: 41-43]. فكل آية تأتي من القرآن كانت تطمئن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه صادق البلاغ عن الله فقد كان المسلمون قلة مضطهدة، ولا يقدرون على حماية أنفسهم، ولا على حماية ذويهم. ويقول الحق سبحانه في هذا الظرف:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45]. ويتساءل عمر رضي الله عنه: أي جمع هذا، ونحن لا نستطيع الدفاع عن أنفسنا وقد هاجر بعضنا إلى الحبشة خوفا من الاضطهاد؟ ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إلى بدر، ويحدد أماكن مصارع كبار رموز الكفر من صناديد قريش ويقول: " هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان " بل ويأتي بالكيفية التي يقع بها القتل على صناديد قريش ويتلو قول الحق سبحانه:
سنسمه على الخرطوم
[القلم: 16]. وبعد ذلك يأتون برأس الرجل الذي قال عنه رسول الله ذلك فيجدون الضربة قد جاءت على أنفه.
فمن ذا الذي يتحكم في مواقع الموت؟ إن ذلك لا يتأتى إلا من إله هو الله وهو الذي أخبر محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45]. وقد طمأن هذا القول القوم الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلم الغيب، ولا يعلم الكيفية التي يموت عليها أي كافر وأي جبار وهو صلى الله عليه وسلم يخبرهم بها وهم في منتهى الضعف. وهذا الإخبار دليل على أن رصيده قوي عند علام الغيوب. إذن: فقول الحق سبحانه: ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ [الرعد: 28]. يعني: أن القلوب تطمئن بالقرآن وما فيه من أخبار صادقة تمام الصدق، لتؤكد أن محمدا صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه وأن القرآن ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم بل هو من عند الله. وهكذا استقبل المؤمنون محمدا صلى الله عليه وسلم وصدقوا ما جاء به فها هي خديجة - رضي الله عنها وأرضاها - لم تكن قد سمعت القرآن وما أن أخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخاوفه من أن ما يأتيه قد يكون جنا، فقالت: " إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، والله ما يخزيك الله أبدا ". وها هو أبو بكر - رضي الله عنه وأرضاه - يصدق أن محمدا رسول من الله، فور أن يخبره بذلك. وهكذا نجده صلى الله عليه وسلم قد امتلك سماتا وقد صاغ الله لرسوله أخلاقا، تجعل من حوله يصدقون كل ما يقول فور أن ينطق. ونلحظ أن الذين آمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم لم يؤمنوا لأن القرآن أخذهم ولكنهم آمنوا لأن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكذبهم القول، وسيرته قبل البعثة معجزة في حد ذاتها، وهي التي أدت إلى تصديق الأولين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أما الكفار فقد أخذهم القرآن واستمال قلوبهم، وتمنوا لو نزل على واحد آخر غير محمد صلى الله عليه وسلم. وحين يرى المؤمنون أن القرآن يخبرهم بالمواقف التي يعيشونها، ولا يعرفون لها تفسيرا ويخبرهم أيضا بالأحداث التي سوف تقع، ثم يجدون المستقبل وقد جاء بها وفقا لما جاء بالقرآن، هنا يتأكد لهم أن القرآن ليس من عند محمد، بل هو من عند رب محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك فحين يثير الكفار خزعبلاتهم للتشكيك في محمد صلى الله عليه وسلم يأتي القرآن مطمئنا للمؤمنين فلا تؤثر فيهم خزعبلات الكفار. والمؤمن يذكر الله بالخيرات ويعتبر من كل ما يمر به، وبكل ما جاء بكتاب الله وحين يقرأ القرآن فقلبه يطمئن بذكر الله لأنه قد آمن إيمان صدق.