وارزقوهم فيها..
[النساء: 5]. ولم يقل " وارزقوهم منها " أي: خذوا الرزق من المطمور فيها يملكون بالحركة في هذا المال. وهكذا نفهم كيف ينفق الإنسان المؤمن مما رزقه الله فهناك من ينفق كل ما عنده لأنه واثق من رصيده عند ربه، وهناك من ينفق البعض مما رزقه الله وقد تأخذه الأريحية والكرم فيعطي كل من يسأله، وقد ينفق كل ما عنده مثل من يجلس في جرن القمح ويريد أن يزكي يوم الحصاد فيعطي كل من يسأله إلى أن يفرغ ما عنده. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول:
وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين
[الأنعام: 141]. وهنا نجد الحق سبحانه يصف هؤلاء المنفقين في سبيله: ﴿ وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية.. ﴾ [الرعد: 22]. والسر هو الصدقة المندوبة، أما الإنفاق في العلانية فهي الصدقة الواضحة لأن الناس قد تراك غنيا أو يشاع عنك ذلك، ولا يرونك وأنت تخرج الزكاة، فتنالك ألسنتهم بالسوء وحين يرونك وأنت تنفق وتتصدق فهم يعرفون أنك تؤدي حق الله، وتشجعهم أنت بأن ينفقوا مما رزقهم الله. وصدقة السر وصدقة العلن أمرها متروك لتقدير الإنسان فهناك من يعطي الصدقة للدولة لتتصرف فيها هي ويعطي من بعد ذلك للفقراء سرا وهذا إنفاق في العلن وفي السر وجاء الحق بالسر والعلانية لأنه لا يريد أن يحجب الخير عن أي أحد بأي سبب.
وقد يقول قائل: إن فلانا يخرج الصدقة رياء. وأقول لمن يتفوه بمثل هذا القول: ألم يستفد الفقير من الصدقة؟ إنه يستفيد، ولا أحد يدخل في النوايا. ويتابع سبحانه: ﴿ ويدرءون بالحسنة السيئة.. ﴾ [الرعد: 22]. والدرء: هو الدفع بشدة أي: يدفعون بالحسنة السيئة بشدة. وأول حسنة إيمانية هي أن تؤمن بالله وبذلك تدفع سيئة الشرك، أو دفعت السيئة. أي: دفعت الذنب الذي ارتكبته وذلك بالتوبة عنه لأن التوبة حسنة، وحين ترى منكرا، وهو سيئة، فأنت تدفعه بحسنة النصح. أو: أن يكون معنى: ﴿ ويدرءون بالحسنة السيئة.. ﴾ [الرعد: 22]. هو إن فعلت سيئة فأنت تتبعها بحسنة، والكمال المطلق لله وحده ولرسوله لنفترض أن واحدا لديه سيئة ملحة في ناحية من النواحي فالحق سبحانه يأمره أن يدفع السيئة بأن يفعل بجانبها حسنة. يقول سبحانه:
إن الحسنات يذهبن السيئات..
[هود: 114]. وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ رضي الله عنه:
" اتق الله أينما تكون، وأتبع السيئة حسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ".
ولذلك، فأنت تجد أغلب أعمال الخير في المجتمع لا تصدر من أي رجل رقيق لا يرتكب السيئات فلا سيئة تطارده كي يفعل الحسنة التي يرجو أن تمحو السيئة. فالسيئة ساعة تلهب ضمير من ارتكبها ولا يستطيع أن يدفعها لأنه ارتكبها فهو يقول لنفسه " فلأبن مدرسة " أو " أبني مسجدا " أو " أقيم مستشفى " أو " أتصدق على الفقراء ". وهكذا نجد أن أغلب حركات الإحسان قد تكون من أصحاب السيئات، فلا أحد بقادر على أن يأخذ شيئا من وراء الله فمن يرتكب سيئة لا بد أن تلح عليه بأحاسيس الذنب لتجده مدفوعا من بعد ذلك إلى فعل الحسنات لعل الحسنات تعوض السيئات. ومن درء الحسنة بالسيئة أيضا أنه إذا أساء إليك إنسان فأنت تكظم غيظك وتعفو وبذلك فأنت تحسن إليه. وتجد الحق سبحانه يقول:
ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
[فصلت: 34]. وإذا أنت جربتها في حياتك وأخلصت المودة لمن دخل في العداوة معك ستجد أنه يستجيب لتلك المودة ويصبح صديقا حميما لك. ولكن هناك من يقول: جربت ذلك ولم تنفع تلك المسألة. وأقول لمن يقول ذلك: لقد ظننت أنك قد دفعت بالتي هي أحسن، لكنك في واقع الحال كنت تتربص بما يحدث منك تجاه من دخلت معه في عداوة، ولم تخلص في الدفع بالتي هي أحسن، وأخذت تجرب اختبار قول الله فذهبت منك طاقة الإخلاص فيما تفعل وظل الآخر العدو على عداوته. لكنك لو دفعت بالتي هي أحسن ستجد أن الآية القرآنية فيها كل الصدق لأن الله لا يقول قضية قرآنية ثم تأتي ظاهرة كونية تكذب القرآن.