إذا رمت أن تستخرج المال منفقا
على شهوات النفس في زمن العسر
فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرها
عليك وإنذارا إلى ساعة اليسر
فإن فعلت كنت الغني وإن أبيت
فكل منوع بعدها واسع العذر
أي: إن راودتك نفسك لتقترض مالا لتنفقه على شهوات النفس، ورفضت تلك المراودة، وطلبت من نفسك أن تعطيك من كنز الصبر الذي تملكه وإن فعلت ذلك كنت الغني، لأنك قدرت على نفسك. والذي يلتفت إلى الحدث وحده يتعب والذي يلتفت إلى الحدث مقرونا بواقعه من ربه ويقول: " لا بد أن هناك حكمة من الله وراء ذلك " فهو الذي يصبر ابتغاء وجهه الله. ويريد الله أن يخص من يصبر ابتغاء وجهه بمنزلة عالية لأنه يعلم أن الله له حكمة فيما يجريه من أقدار. ويتابع سبحانه وصف أولي الألباب: ﴿ وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية.. ﴾ [الرعد: 22]. وسبق أن قلنا في الصلاة أقوالا كثيرة وأن من يؤديها على مطلوبها فهو من يعلم أنها جلوة بين العبد وربه، ويكون العبد في ضيافة ربه. وحين تعرض الصنعة على صانعها خمس مرات في اليوم فلا بد أن تنال الصنعة رعاية وعناية من صممها وخلقها، وكما أن الله غيب عنك فكذلك أسباب شفائك من الكروب يكون غيبا عنك. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك " فكان إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ". ومن عظمة الإيمان أن الله هو الذي يدعوك إلى الصلاة وهو سبحانه لا يمنع عنك القرب في أي وقت تشاء وأنت الذي تحدد متى تقف بين يديه في أي وقت بعد أن تلبي دعوته بالفروض لتؤدي ما تحب من النوافل ولا ينهي سبحانه المقابلة معك كما يفعل عظماء الدنيا بل تنهي أنت اللقاء وقت أن تريد. ولقد تأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدب ربه وتخلق بالخلق السامي فكان إذا وضع أحد يده في يد الرسول صلى الله عليه وسلم فهو لا ينزع يده من يد من يسلم عليه إلا أن يكون هو النازع. وقول الحق سبحانه: ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم.. ﴾ [الرعد: 22]. يعني: أنك لا يجب أن تنظر إلى ما يؤخذ منك، ولكن انظر إلى أنك إن وصلت إلى أن تحتاج من الغير سيؤخذ لك، وهذا هو التأمين الفعال، ومن يخاف أن يترك عيالا دون قدرة، ولو كان هذا الإنسان يحيا في مجتمع إيماني، لوجد قول الحق مطبقا:
وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا
[النساء: 9]. وبذلك لا يشعر اليتيم باليتم ولا يخاف أحد على عياله، ولا يسخط أحد على قدر الله فيه. وسبحانه يضع الميزان الاقتصادي حين يطلب منا الإنفاق، والإنفاق يكون من مال زائد أو مال بلغ النصاب، ولذلك فعليك أن تتحرك حركة نافعة للحياة، ويستفيد منها الغير، كي يكون لك مال تنفق منه، وعلى حركتك أن تسعك وتسع غيرك.
وهناك من ينفق مما رزقه الله بأن يأخذ لنفسه ما يكفيها، وينفق الباقي لوجه الله لأنه يضمن أن له إلها قادرا على أن يرزقه، والمضمون عند الله أكثر مما في يده.
" وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أبا بكر فيما ناله من غنائم ويقول له: ماذا صنعت بها يا أبا بكر؟ فيقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه: تصدقت بها كلها. فيقول الرسول: وماذا أبقيت؟ يقول أبو بكر: أبقيت الله ورسوله. وسأل رسول الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وماذا فعلت يا عمر؟ فيقول ابن الخطاب: تصدقت بنصفها ولله عندي نصفها. وكأنه يقول للرسول: " إن كان هناك مصرف تريدني أن أصرف فيه النصف الباقي لله عندي فلسوف أفعل ".
وهكذا رأينا من يصرف مما رزقه الله بكل ما رزقه سبحانه، وهو أبو بكر الصديق ونجد من ينفق مما رزقه الله ومستعد لأن ينفق الباقي إن رأى رسول الله مصرفا يتطلب الإنفاق. ونجد من توجيهات الإسلام أن من يراعى يتيما فليستعفف فلا يأخذ شيئا من مال اليتيم إن كان الولي على اليتيم له مال وإن كان الولي فقيرا فليأكل بالمعروف. ولقائل أن يسأل: ولماذا نأتي بالفقير لتكون له ولاية على مال اليتيم؟ وأقول: كي لا يحرم المجتمع من خبرة قادرة على الرعاية فيأتي الفقير صاحب الخبرة وليأكل بالمعروف. ونلحظ أن الحق سبحانه قال: