فهل هم يملكون كل الوقت لهذا الجدل بعد أن خلق الحق كل هذا الكون؟ هل لديكم الوقت لكل تلك المماراة بقصد الجدل والعناد المذموم؟ فالجدل في حد ذاته قد يحسن استخدامه وقد يساء استخدامه والحق سبحانه قال لنا:
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن..
[العنكبوت: 46]. وقال أيضا:
قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله..
[المجادلة: 1]. وهذا جدل المراد منه الوصول إلى الحق. ويذيل الله آية سورة الرعد بقوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ [الرعد: 13]. ويقال: " محل فلان بفلان " أي: كاد له كيدا خفيا ومكر به، والمحال هو الكيد والتدبير الخفي، ومن يلجأون إليه من البشر هم الضعاف الذين يعجزون عن مواجهة الخصم علانية، فيبيتون له بإخفاء وسائل الإيلام. وهذا يحدث بين البشر وبعضهم البعض لأن البشر لا يعلمون الغيب لكن حين يكيد الله فلا أحد بقادر على كيده، وهو القائل سبحانه:
إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا
[الطارق: 15-17]. لأن كيد الله لا غالب له وهو كيد غير مفضوح لأحد، ولذلك قال تعالى:
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
[الأنفال: 30]. هم أرادوا أن يبيتوا لرسوله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله وجاءوا بشاب من كل قبيلة ليمسك سيفا كي يتوزع دمه بين القبائل، وترصدوا له المرصاد ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تصاحبه العناية فخرج عليهم ملهما قوله تعالى:
فأغشيناهم فهم لا يبصرون
[يس: 9]. وبذلك أوضح لهم أنهم لن يستطيعوا دفع دعوة الإسلام لا مجابهة ومجاهرة ولا كيدا وتبييتا حتى ولو استعنتم بالجن فالإنسان قد يمكر ويواجه، وحين يفشل قد يحاول الاستعانة بقوة من جنس آخر له سلطان كسلطان الجن، وحتى ذلك لم يفلح معه صلى الله عليه وسلم فقد حاولوا بالسحر فكشف الله له بالرؤيا موقع وضع السحر. وذهب بعض من صحابته ليستخرجوا السحر من الموقع الذي حدده رسول الله لهم. وهكذا أوضح لهم الحق سبحانه أن كل ما يفعلونه لن يحيق برسوله صلى الله عليه وسلم فسبحانه:
غالب على أمره..
[يوسف: 21]. وهكذا كان الحق سبحانه وما زال وسيظل إلى أن يرث الأرض ومن عليها، وهو شديد المحال. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ له دعوة الحق والذين يدعون... ﴾.