تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما بكت عليهم السمآء والأرض..

[الدخان: 29]. فالسماء والأرض قد استراحتا لذهاب هؤلاء الأشرار عن الأرض، فالسماوات والأرض ملتزمتان مع الكون التزاما لا تخرج به عن مرادات الله، وحين يأتي كافر ليصنع بكفره نشازا مع الكون فهي تفرح عند اختفائه ولا تحزن عليه. وما دامت السماء والأرض لا تبكيان على الكافر عند رحيله فلا بد أنهما تفرحان عند هذا الرحيل ولا بد أنهما تبكيان عند رحيل المؤمن. ولذلك نجد قول الإمام علي كرم الله وجهه: إذا مات ابن آدم بكى عليه موضعان موضع في السماء، وموضع في الأرض وأما موضعه في الأرض فموضع مصلاه وأما موضعه في السماء فمصعد عمله ". وهكذا نجد أن معنى قول الحق سبحانه: ﴿ ويسبح الرعد بحمده.. ﴾ [الرعد: 13]. أي: ينزه الرعد ويمجد اسم الحق - تبارك وتعالى - تسبيحا مصحوبا بالحمد. ونحن حين ننزه ذات الله عن أن تكون مثل بقية الذوات، وحين ننزه فعل الله عن أن يكون كأفعال غيره سبحانه، وحين ننزه صفات الله عن أن تكون كالصفات، فلا بد أن يكون ذلك مصحوبا بالحمد له سبحانه لأنه منزه عن كل تلك الأغيار، وعلينا أن نسر من أنه منزه. ويقول تعالى: ﴿ ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.. ﴾ [الرعد: 13]. ولقائل أن يتساءل: كيف تخاف الملائكة من الله؟ وهم الذين قال فيهم الحق سبحانه:

لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون

[التحريم: 6]. وأقول: إن الملائكة يخافون الله خيفة المهابة، وخيفة الجلال. ونحن نرى في حياتنا من يحب رئيسه أو قائده فيكون خوفه مهابة فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى الذي تحبه ملائكته وتهاب جلاله وكماله، صحيح أن الملائكة مقهورون، لكنهم يخافون ربهم من فوقهم. وساعة تسمع الملائكة الرعد فهم لا يخافون على أنفسهم ولكنهم يخافون على الناس لأنهم حفظة عليهم فالملائكة تعي مهمتها كحفظة على البشر وتخشى أن يربكهم أي أمر وهم يستغفرون لمن في الأرض. إذن: فقوله: ﴿ ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.. ﴾ [الرعد: 13]. يبين لنا أن الملائكة تخاف على البشر من الرعد فهم مكلفون بحمايتهم، مع خوفهم من الله مهابة وإجلالا. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:

" ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا ".

وقد يظن ظان أن هذه دعوة ضد الممسك ولكني أقول: لماذا لا تأخذها على أنها دعوة خير؟ فالمنفق قد أخذ ثوابا على ما أدى من حسنات أما الممسك فحين يبتليه الله بتلف بعض من ماله ويصبر على ذلك فهو يأخذ جزاء الصبر. ويتابع سبحانه في نفس الآية: ﴿ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ﴾ [الرعد: 13]. ولا بد من وجود حدث أليم في الكون لينتبه هؤلاء الناس من غفلتهم وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاءه اثنان من المعاندين الكبار أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة، وعامر بن الطفيل ليجادلاه بهدف التلكؤ والبحث عن هفوة فيما يقوله أو عجز في معرفته، والمثل ما قاله مجادلون مثلهم، وأورده القرآن الكريم:

أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون

[المؤمنون: 82]. وكذلك استعجال بعض من المجادلين للعذاب. وجاء هذان الاثنان وقالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل ربنا مصنوع من الحديد أم من النحاس؟ وهما قد قالا ذلك لأنهما من عبدة الأصنام المصنوعة من الحجارة، والأقوى من الحجارة هو الحديد أو النحاس فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت صاعقة فأحرقتهما. وإرسال الصواعق هنا آية قرآنية، ولا بد وأن تأتي آية كونية تصدقها وقد حدثت تلك الآية الكونية. ويقول الحق سبحانه: ﴿ وهم يجادلون في الله.. ﴾ [الرعد: 13]. والجدال في الله أنواع متعددة جدال في ذاته وجدال في صفاته، أو جدال في الحسنة والسيئة، وقد جادلوا أيضا في إنزال آية مادية عليه لأنهم لم يكتفوا بالقرآن كآية على الرغم من أن القرآن آية معجزة ومن جنس ما برعوا فيه، وهو اللغة. وقد جادلوا أيضا في الرعد وقالوا: إن الرعد ليس له عقل ليسبح والملائكة لا تكليف لها فكيف تسبح؟ ولكن الحق سبحانه قال: إنه قادر على أن يرسل الصواعق ويصيب بها من يشاء فيأتي بالخير لمن يشاء ويصيب بالضر من يشاء.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٣٨