كل نفس ذآئقة الموت..
[آل عمران: 185]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
" ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ".
فالموت يقين، ولكن لا أحد يحاول التفكير في أنه قادم، وسبحانه يقول:
ثم إنكم بعد ذلك لميتون
[المؤمنون: 15]. وهذا تأكيد لأمر يجمع الناس على أنه واقع، لكنهم لغفلتهم عنه بدوا كالمنكرين له، لذلك خاطبهم خطاب المنكرين، ثم قال بعد ذلك:
ثم إنكم يوم القيامة تبعثون
[المؤمنون: 16]. ولم يقل: " ولتبعثون " لأن البعث مسألة لا تحتاج إلى تأكيد، وعدم التأكيد هنا آكد من التأكيد، لأن أمر الموت واضح جدا رغم الغفلة عنه، أما البعث فهو واقع لا محالة بحيث لا يحتاج إلى تأكيد. والمثل من حياتنا - ولله المثل الأعلى - يذهب الإنسان إلى الطبيب فيقول له الطبيب بعد الكشف عليه " اذهب فلن أكتب لك دواء ". وهذا القول يعني أن هذا الإنسان في تمام الصحة وكأن كتابة الدواء يحمل شبهة أن هناك مرضا. وكذلك الحق سبحانه يخاطب الخلق في الشيء الذي ينكرونه وعليه دليل واضح فيأتي خطابه لهم بلا تأكيد وهو يوضح بتلك الطريقة أنهم على غير حق في الإنكار، أما الشيء الذي يتأكدون منه وهم غافلون عنه فهو يؤكده لهم كي لا يغفلوا عنه.
وكذلك في القسم فنجده سبحانه قد أقسم بالتين والزيتون وأقسم بالقرآن الحكيم وأقسم بغير ذلك، ونجده في مواقع أخرى يقول:
لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد
[البلد: 1-3]. والعجيب أنه يأتي بجواب القسم، فيقول:
لقد خلقنا الإنسان في كبد
[البلد: 4]. وقد يقول قائل: كيف يقول:
لا أقسم..
[البلد: 1]. ثم يأتي بجواب القسم؟ وأقول: لقد جاء هنا بقوله:
لا أقسم..
[البلد: 1]. وكأنه يوضح ألا حق لكم في الإنكار ولذلك ما كان يصح أن أقسم لكم، ولو كنت مقسما لأقسمت بكذا وكذا وكذا. وسبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد.. ﴾ [الرعد: 5]. وهو جل وعلا يذكرهم بما كان يجب ألا ينسوه فقد خلقهم من تراب وخلق التراب من عدم، وهو القائل:
أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد
[ق: 15]. إذن: فسبحانه يتعجب من أمر هؤلاء ويزيد من العجب أنهم كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم بعد أن جربوا فيه الصدق، ولمسوا منه الأمانة وقالوا عنه ذلك من قبل أن يبعث وفوق ذلك أنكروا البعث مع قيام الدليل عليه. ويصفهم الحق سبحانه: ﴿ أولئك الذين كفروا بربهم.. ﴾ [الرعد: 5]. أي: أن هؤلاء المكذبين لك يا محمد والمنكرين للبعث لم يكفروا فقط بالله الذي أوجب التكليف العبادي بل هم يكفرون بالربوبية التي تعطي المؤمن والكافر والطائع والعاصي، وتأتمر بأمرها الأسباب لتستجيب لأي مجتهد يتبع قوانين الاجتهاد، فيأخذ من عطاءات الربوبية وهي عطاءات التشريف التي تضمن الرزق، بينما عطاءات الألوهية هي تكليفات بالطاعة للأوامر التعبدية الممثلة في " افعل " و " لا تفعل ". وسبحانه لا يكلف الإنسان إلا بعد أن يبلغ الإنسان درجة النضج التي تؤهله لأن ينجب مثيلا له وقد ترك الحق سبحانه كل إنسان يرتع في خير النعم التي أسبغها سبحانه على البشر، وكان على الإنسان أن يسعى إلى الإيمان فور أن تصله الدعوة من الرسول المبلغ عن الله هذا الرسول المشهود له بالصدق والأمانة. ولذلك نجد الحق سبحانه وهو يصف المنكرين للإيمان: ﴿ أولئك الذين كفروا بربهم.. ﴾ [الرعد: 5]. ويضيف: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [الرعد: 5]. والغل: هو طوق الحديد الذي له طرف في كل يد ليقيدها وطرف معلق في الرقبة ليقلل من مساحة حركة اليدين، ولمزيد من الإذلال. وهم أصحاب النار وكلمة " صاحب " تطلق على من تعرفه معرفة تروق كيانك وذاتك فهناك من تصاحبه وهناك من تصادقه وهناك من تؤاخيه وهناك من تعرفه معرفة سطحية، ولا تقيم علاقة عميقة معه. إن المعرفة مراتب، والصحبة تآلف وتجاذب بين اثنين ومن يصاحب النار فهو من تعشقه النار، ويعشق هو النار، ويجب كل منهما ملازمة الآخر ألا تقول النار لربها يوم القيامة: