وكذلك الناس إياك أن تظن أن هناك إنسانا فاضلا على إطلاقه وآخر مفضولا على إطلاقه بل هناك إنسان فاضل في ناحية ومفضول عليه في ناحية أخرى. والمثل: هو صاحب السيارة الفارهة ثم ينفجر إطار سيارته فيتمنى أن يرزقه الله بمن يمر عليه ليقوم بتغيير إطار السيارة فيمر عليه هذا الإنسان صاحب الملابس غير النظيفة بما عليها من شحوم فيكون هذا الإنسان أفضل منه في قدرته على فك الإطار المنفجر بالإطار السليم الاحتياطي. وهكذا نشر الله الفضل على الناس ليحتاج بعضهم لبعض ولذلك أقول: حين تجد نفسك فاضلا في ناحية إياك أن تقع في الغرور واسأل نفسك: ما الذي يفضل عليك فيه غيرك؟ وتذكر قول الحق سبحانه:
لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن..
[الحجرات: 11]. وهكذا شاء الحق سبحانه أن يوزع الفضل بين الناس، ليحتاج كل منهم الآخر، وليتكامل المجتمع. وكذلك وزع سبحانه الفضل في الأطعمة والفواكه والثمار، وانظر إلى نفسك لحظة أن تقدم لك أصناف متعددة من الفاكهة فقد تأخذ ثمرة من الجميز قبل أن تأخذ ثمرة من التفاح فساعة طلبت نفسك ثمرة الجميز صارت في تقدير الموازين والتبادل هي الأفضل، وكل إنسان يمكن أن يجد ذلك فيما يخصه أو يحبه. والحق سبحانه هو القائل:
وكل شيء عنده بمقدار
[الرعد: 8]. ولذلك نجد الإنسان وهو يلون ويتفنن في صناعة الطعام، ويختلف إقبال الأفراد على الأطعمة المنوعة، وقد تجد اثنين يقبلان على لحم الدجاج لكن أحدهما يفضل لحم الصدر والآخر يفضل لحم " الورك " ، وتجد ثالثا يفضل لحم الحمام وتجد رابعا يفضل تناول السمك. بل إنك تجد اختلافا في طريقة تناول من يحبون السمك فمنهم من يحب أكل رأس السمكة، ومنهم من يحب لحم السمكة نفسها، ولا أحد يملك معرفة السبب في اختلاف الأمزجة في الانجذاب إلى الألوان المختلفة من الأطعمة. وحين تتأمل تلك المسائل قد يأتي إلى خاطرك قول الحق سبحانه:
كيف تكفرون بالله..
[البقرة: 28]. والسؤال هنا من الله للتعجب والتعجب عادة يكون من شيء خفي سببه، فهل يخفى سبب على الله ليتعجب؟ طبعا لا، فسبحانه منزه عن ذلك، وسبحانه يعلم سبب كفر الكافرين لكنه ينكر عليهم أسباب الكفر. والمثل من حياتنا - ولله المثل الأعلى - فأنت تجد نفسك وأنت تنطق بكلمة " كيف تسب أباك؟ " لإنسان يوجه كلمات جارحة لوالده فتتعجب لتنكر ما فعله هذا الإنسان. وكذلك القول: كيف تكفرون بالله؟ لأن الكفر شيء لا يتأتى من عاقل. وكان لنا شيخ هو فضيلة العالم أحمد الطويل وكان يحدثنا عن شيخ له حين كان يقرأ قول الحق سبحانه:
كيف تكفرون بالله..
[البقرة: 28]. كان يقول: إن الخطاب هنا عام لكل إنسان لأن الحق بعدها يأتي بالقضية العامة:
وكنتم أمواتا فأحياكم..
[البقرة: 28]. وهذا القول للعموم. وكان شيخنا يحكي عن شيخه أنه حدثهم أن إنسانا كان مسرفا على نفسه ثم انصبت عليه الهداية مرة واحدة ورآه كل من حوله وهو مقبل على الله فسألوه عن سبب الهداية، فقال: كنت أجلس في بستان، ثم راق لي عنقود من العنب فقطفت العنقود، وأخذت أتأمل فيه فوجدت غشاء رقيقا شفافا - وهو قشرة حبة العنب - يشف عما تحته من لحم العنبة الممتلئ بالعصير. وحين وضعت حبة العنب في فمي صارت ماء رطبا، وأخذني العجب من احتفاظ حبة العنب ببرودتها ورطوبتها رغم حرارة جو شهر بؤونة ثم وجدت بذرة الحبة ولها طعم المسك فلما غمرني السرور من طعم وجمال العنب سمعت هاتفا يهتف بي: " كيف تكفر بالله وهو خالق العنب؟ " فهتفت: آن يا رب أن أومن بك. وكل منا له أن ينظر إلى شيء يعجبه وسيجد الشيء كأنه يقول له: كيف تكفر بالله وهو خالقي؟ وهكذا سنجد كل إنسان وهو مخاطب بهذه العبارة، لأنه ما من كائن إلا وله شيء يعجبه في الكون. وهكذا نفهم معنى قول الحق سبحانه: ﴿ ونفضل بعضها على بعض في الأكل.. ﴾ [الرعد: 4]. ونجد أي شيء هو فاضل في وقت الحاجة إليه وطلبه وكل شيء مفضول عليه في وقت ما وإن كان فاضلا عند من يحتاجه. ونجد أن التفضيل هنا عند الأكل. والأكل هو ما يؤكل لا الآن فقط إنما ما يؤكل الآن أو بعد ذلك وسبحانه القائل: