وقد شرح العلماء في " علم الحركة " ذلك فقالوا: إن كل شيء مستدير يتحرك إنما تنشأ عن حركته عملية اسمها الطرد الذاتي لأن قطعة العجين أو أي شيء نضعه على شيء مستدير يتحرك تكون له كثافة وثقل على المنطقة التي يوجد فيها، ويصل هذا الثقل إلى المركز، ولكي تستمر الحركة الدائرية متوازنة لا بد أن يطرد الشيء المستدير ما فوقه من ثقل زائد. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل نصفي الكرة الأرضية من أي موقع تتخيله، متساويا في الوزن مع النصف الآخر، ومهما أخذت من مواد ونقلتها من موقع إلى آخر، فالوزن يتعادل نتيجة لحركة السوائل التي في بطن الأرض. وهذا يدل على عظمة الخالق الذي خلق بتدبير دقيق، ويكفي أن ننظر إلى عظمة الحق الذي لم يجعل الجبال رواسي ليمنع الأرض من أن تميد بنا، بل جعل في الجبال والصحاري ما استنجدنا به حين ضاقت الأرض بنا فذهبنا إلى الجبال لنستخرج منها المواد الخام ونصدرها ثم نشتري بثمنها القمح. ونرى من حولنا الصحاري حيث كان المقيمون فيها يلهثون قديما من العطش، ولا يجدون شجرة يستظلون بها فيفجر فيها الحق آبار البترول. وهكذا نرى أن كل قطاع من الأرض فيه خير مساو لأي قطاع آخر من الأرض، وجعل الله لكل أمر زمنا يمكن للبشر أن يستفيدوا من هذا الأمر في ذلك الزمن. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في الجبال:
قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين
[فصلت: 9-10]. أي: أنه سبحانه بارك في الجبال، وهي جزء من الأرض، وشاء أن يقدر الأقوات في الجبال والأرض ويكفي أن نعلم أن المطر حين يتساقط من السماء على الجبال فيحمل المطر بعضا من الطمي من على أسطح تلك الجبال، فتتجدد خصوبة الأرض. ولو كانت الجبال هشة لذابت الجبال من عدد قليل من مرات سقوط المطر، ولذابت القشرة الخصبة التي تغذي النبات حين نزرعه في الأرض. ولكنه سبحانه شاء أن تمر الظروف الجوية باختلافها وتنوعها في تتابع يوفر من الحرارة والرطوبة ما يجعل الأرض تتشقق فيصير سطح الجبال الصلبة هشا لينزل مع المطر وليغذي الأرض بالخصوبة من أجل أن يستمر استبقاء الحياة بإنتاج ما نحتاجه من نباتات مزروعة. ونلحظ قوله سبحانه في نفس الآية: ﴿ وجعل فيها رواسي وأنهارا.. ﴾ [الرعد: 3]. وهنا يجمع الحق بين الرواسي وهي الثوابت، وبين الأنهار وهي التي تحمل الماء السائل، وهذا جمع بين الأضداد.
والنهر يطلق على ما يحمل المياه العذبة أما البحر فهو المكون من الماء المالح، وأنت إذا استعرضت أنهار الدنيا كلها ستجد أن مجاريها تصب في البحار، وهذا دليل على أن منسوب النهر أعلى دائما من منسوب البحر، ولو كان الأمر بالعكس لطغى ماء البحر على مياه النهر، ولما استطعنا أن نشرب أو نزرع. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل الماء العذب هو الأعلى لأن له مهمة يؤديها قبل أن يصب في البحر. أقول ذلك حتى نعلم الحكمة في قول الحق سبحانه:
بينهما برزخ لا يبغيان
[الرحمن: 20]. ومن العجيب أن البرزخ الذي يفصل بين النهر والبحر يكون انسيابيا، يتدرج نزول مياه النهر في مياه البحر بما يحقق سهولة في هذا الانتقال، ومن العجيب أيضا أنك إن حفرت عند شاطئ البحر قد تعثر على الماء العذب. ولذلك حين نزور العريش نجد شاطئا باسم شاطئ النخيل ونحن نعلم أن النخيل يحتاج إلى الماء العذب، وكأن الحق سبحانه قد جعل في هذا النخيل خاصية استخلاص الماء العذب من هذا المكان الذي يوجد على البحر وقد تكون له جداول عذبة. فسبحانه القائل:
ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ينابيع في الأرض..
[الزمر: 21]. ونحن في الريف نجد من يحفر بئرا ويكون ماؤه عذبا وآخر يحفر بئرا ويكون ماؤه مالحا. وهذا دليل على أن الماء في بطن الأرض غير مختلط، بل لكل ماء مسارب تختلف باختلاف نوعية المياه. ويرتب الحق سبحانه في نفس الآية مجيء الثمرات كنتيجة على وجود الثابت - الجبال - كمصدر للغرين وخصوبة الأرض، وعلى وجود الأنهار التي تحمل الماء اللازم للري، وهكذا يكون مجيء الثمرات أمرا طبيعيا. والثمرة كما نعلم هي الغاية من أي زرع. وفي نفس الآية يواصل الحق ذكر عطائه، فيقول سبحانه: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين.. ﴾ [الرعد: 3]. ويستعمل البعض كلمة " زوج " ويراد به شيئان كقولنا " زوج أحذية " مع أن التعبير الدقيق يقتضي أن نقول " زوجان من الأحذية " كتوصيف لفردة حذاء يمنى وفردة حذاء يسرى لأن كلمة " زوج " مفرد، وتستخدم في الشيء الذي له مثل ولذلك نجد العدد الفردي والعدد الزوجي والعدد الزوجي مفرد له مثيل وفي الإنسان هو الذكر والأنثى. وسبحانه القائل: