إن عليهم أن ينتهوا عن اللجاج والخلاف في الغنائم، الذي جاء فيه قول الحق تبارك وتعالى:
قل الأنفال لله والرسول..
[الأنفال: 1]. وهم قد اضطروا أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ربه، فإن عادوا للنزاع والجدل فيما بينهم وكأنهم فريقان متعارضان غير مجموعين على إيمان، فلن تغني فئة عن أخرى شيئا، وعليكم أن تعلموا يا أهل الإيمان أنه إن عزت طائفة منكم، فلتهن أمامها الطائفة الأخرى، ولا تظنوا أنكم بالنصر قد صرتم كثيرا لأن النصر لم يكن لا بالفئة ولا بالملائكة، ولكن النصر كان من عند الله العزيز الحكيم. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله... ﴾.
8.20
وهذا نداء واضح من الله عز وجل للمؤمنين، وأمر محدد منه بطاعة الله والرسول لأن الإيمان هو الاعتقاد الجازم القلبي بالله وبملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وعلى المؤمنين أن يؤدوا مطلوب الإيمان. ومطلوب الإيمان - أيها المؤمنون - أن تنفذوا التكاليف التي يأتي بها المنهج من الله عز وجل، ومن المبلغ عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأوامر وفي النواهي. وقد فصلنا من قبل مسألة الطاعة، الطاعة لله تكون في الأمر الإجمالي، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم تكون في اتباع الحكم التفصيلي التطبيقي الذي يأتي به رسول الله للأمر الإجمالي. وكذلك تكون طاعة الرسول واجبة في أي أمر أو حكم لأن الله قد فوض رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك:
من يطع الرسول فقد أطاع الله..
[النساء: 80]. ويتمثل التفويض من الحق سبحانه وتعالى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في قول الحق تبارك وتعالى:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..
[الحشر: 7]. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الملحظ الجميل في الأداء القرآني: ﴿ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ﴾ [الأنفال: 20]. والتولي - كما نعلم - هو الإعراض، والأمر هنا بعدم الإعراض، وما دمتم قد آمنتم فلا إعراض عما تؤمنون به. والملحظ الجميل أنه سبحانه لم يقل: ولا تولوا عنهما. قياسا بالأسلوب البشري. لكنه قال: ﴿ ولا تولوا عنه ﴾ أي أنه سبحانه وتعالى قد وحد الكلام في أمرين اثنين طاعة الله وطاعة الرسول، ولأن الرسول مبلغ عن الله فلا تقسيم بين الطاعتين لأن طاعة الرسول هي طاعة لله تعالى. أو نقول: إن التولي لا يكون أبدا بالنسبة إلى الله، فلا أحد بقادر على أن يتولى عن الله لأن الله لاحقه ومدركه في أي وقت. لذلك نجد الحق تبارك وتعالى يقول في آية ثانية:
يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين
[التوبة: 62]. وهو سبحانه وتعالى في هذا القول يوحد بين رضاء الله والرسول فيجعله رضاء واحدا، فالواحد من هؤلاء يقسم أنه لم يفعل الفعل المخالف للإيمان إرضاء للمؤمنين، وليبرىء نفسه عند البشر، لكن هناك رضاء أعلى هو رضاء مراعاة تطبيق المنهج الذي أنزله الله عز وجل وجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهناك قيوم أعلى يرقب كل سلوك، ويعلم ما ظهر وما بطن. فلو كنا متروكين لبعضنا البعض لكان لأي إنسان أن يواجه الآخر، كل بقوته، لكن نحن في الإيمان نعلم أننا تحت رقابة المقتدر القيوم، فمن ظلم أخاه وغفر المظلوم لظالمه، فالله سبحانه وتعالى رب الظالم ورب المظلوم - لا يغفر للظالم بل يؤاخذه.
وسبحانه وحد أيضا في هذه الآية بين رضاء الله ورضاء الرسول ولم يقل: والله ورسوله أحق أن يرضوهما بظاهر الأسلوب في لغة البشر، لكنه شاء أن يوحد الرضاء لأنه يدور حول أمر واحد بطاعة واحدة، وحول نهي واحد بانتهاء واحد. ﴿ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ﴾ [الأنفال: 20]. وهذا الأمر بطاعة الله تعالى والرسول بلاغ من الله، والبلاغ أول وسيلة له الأذن، لأن الأذن أول وسيلة للإدراكات، ولذلك فإن الرسول يبلغ الأوامر بالقول للناس، ولم يبلغهم بالكتابة لأن كل الناس لا تقرأ، فأبلغ صلى الله عليه وسلم الناس قولا كما أمر أن يكتب القرآن ليظل محفوظا. ونعلم أن السماع هو الأصل في القراءة. وأنت لا تقرأ مكتوبا، ولا تكتب مسموعا إلا إذا عرفت القواعد، وعرفت كيفية نطق الحروف. والمعلم يعلم طالب المعرفة القراءة والكتابة عن طريق السماع أولا، إذن فالسماع مقدم في كل شيء، ولن يستطيع واحد أن يقول في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تبلغني الدعوة لأن الدعوة أبلغت للناس بالسماع، وقوله: ﴿ وأنتم تسمعون ﴾ تعطينا أن الإنسان إن لم تبلغه الدعوة، فليس مناطا للتكليف، لأن ربنا سبحانه وتعالى هو القائل: