8.8
ونلحظ أنه سبحانه وتعالى قال من قبل ويريد الله أن ﴿ يحق الحق ﴾ ، وهنا يقول: ﴿ ليحق الحق ﴾ والمراد بالحق الأول نصر الجماعة الضعاف، القلة الضعيفة على الكثرة القوية، هذا هو الحق الأول الذي وعد به الحق بكلماته، ليحق منهج الإسلام كله، ولو كره المجرمون. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم... ﴾.
8.9
ومادة " استغاث " تفيد طلب الغوث، مثل " استسقى " أي طلب السقيا، و " استفهم " أي طلب الفهم، و " الألف " و " السين " و " التاء " توجد الطلب. و " استغاث " أي طلب الغوث من قوى عنه قادر على الإغاثة، وأصلها من الغيث وهو المطر، فحين تجدب الأرض لعدم نزول المطر ولا يجدون المياه يقال: طلبنا الغوث، ولأن الماء هو أصل الحياة لذلك استعمل في كل ما فيه غوث، وهو إبقاء الحياة، وفي حالة الحرب قد يفنى فيها المقاتلون لذلك يطلبون الغوث من الله عز وجل ﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾. و ﴿ تستغيثون ربكم ﴾ بضمير الجمع، كأنهم كلهم جميعا يستغيثون في وقت واحد، وقد استغاث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اصطف القوم وقال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه واستقبل القبلة وقال:
" اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم ائتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ".
ويدل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه كان يستغيث بالخالق الذي وعد بالنصر، ورد القوم خلفه: آمين، لأن أي إنسان يؤمن على دعاء يقوله إمام أو قائد فهو بتأمينه هذا كأنما يدعو مثلما يقول الإمام أو القائد. فمن يقول: " آمين " يكون أحد الداعين بنفس الدعاء. والحق سبحانه وتعالى هو القائل:
وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم
[يونس: 88]. وهذا ما جاء في القرآن الكريم على لسان موسى عليه السلام. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعدها:
قد أجيبت دعوتكما
[يونس: 89]. مع العلم بأن سيدنا موسى عليه السلام هو الذي دعا، وقوله سبحانه من بعد ذلك ﴿ أجيبت دعوتكما ﴾ دليل على أن موسى دعا وهارون قال: " آمين " فصار هارون داعيا أيضا مثل أخيه موسى. ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ﴾ [الأنفال: 9]. ﴿ فاستجاب لكم ﴾ الألف والسين والتاء - كما علمنا - تأتي للطلب، وقول الحق سبحانه وتعالى ﴿ فاستجاب ﴾ يعني أنه طلب من جنود الحق في الأرض أن يكونوا مع محمد وأصحابه لأن الله سبحانه وتعالى، خلق الكون، وخلق فيه الأسباب. نراها ظاهرة، ووراءها قوى خفية من الملائكة. والملائكة هم خلق الله الخفي الذي لا نراه ولا نبصره، إلا أن الله أخبرنا أن له ملائكة. فالملائكة ليست من المخلوقات المشاهدة لنا، وإنما إيماننا بالله، وتصديقنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله تعالى جعلنا نعرف أنه سبحانه وتعالى قد خلق الملائكة، وأخبرنا أيضا أنه خلق الجن وصدقنا ذلك، إذن فحجة إيماننا بوجود الملائكة والجن هو إخبار الرسول الصادق بالبلاغ عن الله تعالى ومن يقف عقله أمام هذه المسألة ويتساءل: كيف يوجد شيء ولا يرى، نقول له: هذه أخبار من الله.
وهناك من أنكر وجود الملائكة والجن وقال: إنها القوى الميكانيكية في الأسباب، ولم يلتفتوا إلى أن الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن أمر غيبي، فسبحانه يترك في مشهديات وجوده وكونه ما يقرب هذا الأمر الغيبي إلى الذهن، فيجعلك لا تعرف وجود أشياء تشعر بآثارها، ثم بمرور الزمن تدرك وجودها، وهذه الأشياء لم تخلق حين اكتشفتها، وإنما هي كانت موجودة لكنك لم تتعرف عليها، وهناك فارق بين وجود الشيء وإدراك وجود الشيء. ومثال ذلك كان اكتشاف الميكروب في القرن السابع عشر وهو موجود من قبل أن يكتشف، وكان يدخل في أجسام الناس، وينفذ من الجلد، وحين اكتشفوه، دل ذلك على أنه كان موجودا لكننا لم نكن نملك أدوات إدراكه. إذن فإن حدثت بأن لله خلقا موجودا وإن لم تكن تدركه، فخذ مما أدركته بعد أن لم تكن تدركه دليل تصديق لما لا تدركه. وأخبرنا الحق تبارك وتعالى بوجود الملائكة، وكل شيء له ملائكة يدبرونه، وهم: " المدبرات أمرا " ، والملائكة الحفظة، وسبحانه القائل: