8.27
والخيانة مقابلها الأمانة، والأمانة هي الشيء يستودعه واحد عند آخر بدون وثيقة عليه، ولا شهود. بل الأمر متروك إلى من عنده الأمانة، إن شاء أقر بها وإن شاء أنكرها لأن الأمانة ليس عليها صك ولا عليها شهود. ولا عليها " كمبيالة " ، وغير محكومة بأي شيء إلا بذمة من ائتمن، والحق سبحانه تعالى يقول:
إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. وكل الأجناس التي في الوجود ودون الإنسان من حيوان ونبات وجماد، كلها مسخرة، ولا تملك الاختيار في أن تفعل أو لا تفعل. الشمس ليس لها اختيار في أن تقول: سأشرق اليوم على هؤلاء الناس، أو لن أشرق اليوم. والهواء لا يملك إرادة الاختيار، كل الكائنات التي أوجدها الله في هذا الوجود ما عدا الإنسان مسخرة للمؤمن وللكافر. ورفضت هذه الكائنات أن تحمل أمانة الاختيار، لكن الإنسان قال: أنا لي عقل يختار بين البديلات وأقبل تحمل الأمانة وسوف أؤدي كل مطلوبات الأمانة لأني أقدر على الاختيار. لكن الإنسان ادعى لنفسه القدرة على أداء الأمانة. وكأنه قد وثق من نفسه أنه سيؤديها، وهو لا يعلم بأي شيء حكم ذلك الحكم على أمر غيبي مستقبلي. صحيح أنه ساعة التحمل كان في نيته أن يؤدي الأمانة، لكن ماذا عن ساعة الأداء؟. وأنت لا تعرف ماذا تجيء به الأحداث والأغيار معك، فقد يأتي لك ظرف تضطر أن تبدد فيه الأمانة لذلك تجد العاقل هو من يقول: ابعد عني أمانة الاختيار، لأني لا أعلم ماذا ستفعل بي الأغيار لحظة الأداء. وكل ما دون الإنسان أعلن عدم تحمل الأمانة وقبل التسخير، أما الإنسان فأعلن قبول الأمانة وأنه سيؤديها. ووصفه القرآن الكريم بقوله:
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. " ظلوما " لنفسه لأنه حمل نفسه شيئا ليس في يده. و " جهولا " لأنه قاس وقت التحمل ولم يذكر وقت الأداء. فلم يضع في الاعتبار ما سوف تفعل به الأغيار. ويقول الحق عز وجل هنا: ﴿ لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ﴾. وكثير من التصرفات السلوكية للإنسان تكون مستترة عن أعين الخلق لأن أعين الخلق حين ترى جريمة ما، فهي تستدعي رجال القانون ليأخذوا حق المجتمع من المجرم، لكن ماذا عن الجرائم المستترة؟. نحن نعلم أن كل جريمة تطفو وتظهر واضحة إنما توجد تحتها جرائم مختفية لأن الذي يقتل إنما يخفي جرائم أخرى مثل شرائه السلاح بدون ترخيص، وإن كان لا يملك نقودا فقد يسرق ليشتري السلاح، ثم يقوم بتجنيد غيره لمساعدته في القتل، وكل ذلك جرائم مستترة، وبالتأكيد هناك سلوكيات باطنة يأتي بعدها السلوك المقلق للمجتمع وهو الجريمة الظاهرة، وقصارى قانون البشر أن يحرس المجتمع من الجرائم الظاهرة فقط، لكن عين القانون لا ترى الجرائم الباطنة والخفية، أما عين الدين فتختلف، إنها ترشد الأعماق إلى الصواب لأن الدين أمانة وضعها الحق - الذي خلق الخلق - في ضمير الإنسان.
فإياك أن تخون الأمانة في الأمور السرية التي لا يعرفها أحد سوى الله لأن الأمور التي يعرفها الناس يمكن أن تدافع عنها أمام هؤلاء الناس، بخلاف الأمور الباطنة وهي المهمة لأنها هي التي تسيطر على إيجاد السلوك. فإياك أن تخون الله والرسول، وتخون الأمانة التي وضعت لك. ولا حجة لك - في ذلك - إلا اختيارك. إن شئت فعلت وإن شئت تركت، وعلى الإنسان ألا يخون الأمانة التي بينه وبين ربه وإذا لم تتوافر الحراسة الإيمانية من ضميره على الأعمال الباطنة قد ينحرف لأن كل جريمة ظاهرة إنما تتم بتبييت أمر باطن. وما دمت قد آمنت بالله تعالى ربا بمحض اختيارك، فالتزم بالأشياء التي جاء لك بها من آمنت به، وأنت تعلم: أن الإيمان هو علة كل تكليف، وعلى سبيل المثال أنت تصلي خمسة فروض لأن المشرع أمرك بذلك تصلي في الصبح ركعتين، وفي الظهر أربع ركعات، وفي العصر أربع ركعات، وثلاث ركعات في المغرب، وأربع ركعات في العشاء لأن المشرع وهو المولى سبحانه وتعالى أمرك بذلك. وأنت تصوم لأن الله أمرك أن تصوم، فإن أدركت من بعد الصيام أن فيه منافع لك، فهذا موضوع آخر، ومع ذلك تظل علة الصيام أن الله أمرك به، وهكذا تكون علة كل حكم هي الإيمان بمن حكم بهذا الحكم. ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول.. ﴾ [الأنفال: 27]. وما الخيانة؟ إن مادة الخيانة كلها الانتقاص وضده التمام، والكمال، والوفاء. ويقابل كل ذلك الاختيان والغدر. فإذا كان الله يقول لنا: لا تخونوا الله والرسول، فعلينا أن نلتزم لأن التشريع وصلنا من الله بواسطة الرسول، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله لأن الله لم يخاطبنا مباشرة، بل خاطب رسولا اصطفاه من خلقه وأيده بمعجزة. وكل بلاغ وصلنا إنما كان بواسطة الرسول. ﴿ لا تخونوا الله والرسول ﴾. فلا تخن الله فيما جاء في القرآن، وجاء من الرسول المفوض من الله بأن يشرع. وتشريع الرسول واتباعه جاء في قوله تعالى: