يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد
[ق: 30]. ويثبت الحق في قرآنه الكريم أن النار تغتاظ من الكافرين لأنها جند من جنود الله تعالى ومسخرة لتنفيذ حكم الله، فمن خالف المنهج في الدنيا تتلقاه النار بتغيظ وزفير، ويسمع الكافرون تغيطها حين تراهم من بعد، والحق سبحانه هو القائل:
إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا
[الفرقان: 12]. وحين تكون النار هي المأوى، أليس ذلك هو بئس المرجع؟. كأن الراجع من الزحف والفار من مواجهة الأعداء ومخافة أن يقتل، سيذهب إلى شيء شر من القتل. ثم يربب الحق في المؤمنين ويطلب منهم ألا يفتتنوا بالأسباب فيقول سبحانه: ﴿ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى... ﴾.
8.17
وقول الحق تبارك تعالى: ﴿ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم.. ﴾ [الأنفال: 17]. مثل قوله تعالى في آية أخرى:
وما النصر إلا من عند الله..
[آل عمران: 126]. وفي هذا ترتيب من الحق تبارك وتعالى للمؤمنين، فكما أن النصر من عند الله عز وجل لمن أخذ بالأسباب، كذلك قتل الكافرين كان بإرادته سبحانه لمن كفر ووقع هذا القتل بيد المؤمن، فالمؤمن يضرب بالسيف، وينجرح العدو وينزف، لكن ألم تر جريحا لم يمت، وألم تر غير مجروح يموت؟. إذن فالقتل هو من الله.
سبحان ربي إن أراد فلا مرد له يفوت
كم من جريح لا يموت وغير مجروح يموت
إذن فالمؤمنون حين حاربوا أهل الكفر. إنما يجرحونهم فقط، أما الموت فهو واقع بهم من الله سبحانه وتعالى. ﴿ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم.. ﴾ [الأنفال: 17]. ولقائل أن يقول: إن الحق تبارك وتعالى قال في موقع آخر:
قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم..
[التوبة: 14]. إذن فللمؤمن المقاتل مظهرية القتال، وللحق حقيقة القتل. ولذلك يأتي سبحانه وتعالى بعد ذلك بقوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. ﴾ [الأنفال: 17]. وفي هذا القول الكريم عطاء لشيء كان مجهولا لهم بشيء علم لهم، وبذلك قاس غير معلوم بمعلوم. وعرفنا من قبل أنك إذا رأيت حدثا أو فعلا منفيا ومثبتا له في وقت واحد، قد يبدو لك أن في الكلام تناقضا. وهنا - على سبيل المثال - ينفي الحق الحدث في قوله: " وما رميت " وثبته في قوله: " إذ رميت ". والرمي معروف. والفاعل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف ينفي عنه الفعل أولا، ويثبته له ثانيا؟. ونعلم أن القائل هو رب حكيم، وأسلوبه على أعلى ما يكون. وحتى نفهم هذه المسألة، نحن نعرف أن كل حدث له هيئة يقع عليها وله غاية ينتهي إليها، فمرة يوجد الحدث، لكن الغاية منه لا تتحقق، مثلما يقول الوالد لولده: لقد قرب الامتحان فاجلس في حجرتك وذاكر. ويجلس الولد في حجرته وأمامه كتاب ما يقلب صفحاته، وبعد ساعة يدخل الأب حجرة ابنه ليقول: هات كتابك لأسألك فيما ذاكرته. ويسأل الأب ابنه سؤالا ثم ثانيا فلا يعرف الابن الإجابة عن الأسئلة، فيقول الأب: ذاكرت وما ذاكرت. أي كأنه لم يذاكر، بل فعل الفعل شكليا، بأن جلس إلى المذاكرة، ولم يؤد ما عليه لأن أثر الفعل وهو المذاكرة لم يتحقق. وفي غزوة بدر استنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بربه واستغاث ودعا الله ورفع يديه فقال:
" يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا، فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم فأخذ صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين "
ومعلوم أنه ساعة تأتي ذرة تراب في عيني الإنسان يشتغل بعينيه عن كل شيء. إذن فقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. ﴾ [الأنفال: 17]. أي أنك يا رسول الله ما أرسلت بالرمية الواحدة - حفنة التراب - إلى عيون كل الأعداء لأن هذه مسألة لا يقدر عليها أحد، ولكنك " إذ رميت " أي أديت نصيحة جبريل لك، أما الإيصال إلى عيون العدو فهذا من فعل الله القوي القادر. ويتابع سبحانه وتعالى قوله: ﴿ وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ﴾ [الأنفال:17]. والبلاء الحسن هنا هو خوض المعركة وحسن أداء القتال فيها. ويخطىء الإنسان حين يظن أن البلاء هو نزول المصائب، لا، إن البلاء هو الاختبار بأية صورة من الصور. فالطالب الذي استذكر دروسه يكون الامتحان بالنسبة له بلاء حسنا، ومن لم يستذكر يكون الامتحان بالنسبة له بلاء سيئا. إذن فالابتلاء غير مذموم على إطلاقه، ولا ممدوح على إطلاقه، لكن بنتيجة الإنسان فيه هل ينجح أم لا. وحتى نعرف أن القرآن يفسر بعضه بعضا فلنقرأ قول الحق تبارك وتعالى: