تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.43

والحق سبحانه وتعالى إذا أراد معركة فاصلة، يجعل الخواطر في كل قوم مهيجة على الحرب لأنه سبحانه وتعالى يريد للفئتين أن يشتبكوا، ويفصل الحق في المسألة، وهذا الاشتباك لو حدث بالمقاييس العادية ربما جبنت الفئة القليلة عن أن تواجه الفئة الكثيرة. ولكي تتم المعركة لا بد أن يكون كل من الفريقين المتحاربين واثقا من النصر لأنه لو أيقن أحدهما أنه سيهزم لما دخل إلى المعركة. والله سبحانه وتعالى يعلم رسوله والمؤمنين كيف أعد الله الإعداد النفسي للمعركة، فأرى النبي في الرؤيا أن عدد الكفار قليل حتى يؤمن أن المؤمنين سينتصرون عليهم بسهولة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه رؤيا توضح أن عدد الكفار قليل في أعين المؤمنين، وأخبر قومه بذلك، ولقد قلل الله عدد الكفار في أعين المؤمنين، وقلل عدد المؤمنين في أعين الكفار، ليتم اللقاء وتحدث المعركة. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وإذ يريكموهم إذ التقيتم... ﴾.

8.44

إذن رأى المؤمنون الكفار قليلا، ورأى الكفار المؤمنين قليلا، ولو كثر الله الكفار في أعين المؤمنين، أو كثر المؤمنين في أعين الكفار ما حدثت المعركة.. ولكنه سبحانه وتعالى شاء أن يقلل كل فريق في نظر الآخر ليبدأ القتال، ويحكي سيدنا عبد الله بن مسعود: لقد قلت لجار لي أظنهم سبعين، فقال: لا بل مائة. وهكذا كان عدد الكافرين قليلا في نظر المؤمنين، وكان عدد المؤمنين بالفعل قليلا في عيون الكافرين. وأيضا شاء الحق سبحانه أن يجعل في ذلك بلاغا من إعلامات النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رأى النبي عدد الكافرين في المنام وهم قليل، وأخبر صلى الله عليه وسلم قومه بذلك. ودار القتال الذي أراده الله تعالى: ﴿ ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور ﴾ [الأنفال: 44]. والأمر الحاسم هو التقاء الفئتين المتقاتلتين في معركة بدر ليفصل الله بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر حتى ترجع الأمور إلى الله، فلكل واحد من جنود المعركة جزاء من عند الله سبحانه وتعالى المؤمنون لهم جزاء على قدر نياتهم وإخلاصهم في الجهاد، الكافرون عليهم غضب من الله تعالى. والغضب منازل، كل منزلة من الغضب حسب أحوال صاحبها. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ نجد فيه كلمة " الأمور " وهي جمع أمر، وفي المعارك ألوان مختلفة من الأوامر فلكل جندي أمر، وهناك أمر عام تنتهي إليه المعارك وهو انتصار طرف وانهزام طرف آخر. ولكي يتم النصر للمؤمنين فإن الله يطلب منهم أن يثبتوا في المعركة فيقول سبحانه وتعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٤٣