تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اصبروا وصابروا

[آل عمران: 200] وذلك لأن العدو قد يملك هو أيضا ميزة الصبر لهذا يزيد الله الصابر، فإن صبر العدو على شيء فاصبر أنت أيها المؤمن أكثر منه. وقد جعل الله عز وجل الإمداد بالملائكة بشرى لطمأنة القلوب وثقة من أن النصر من عند الله تعالى: ﴿ وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ﴾ [الأنفال: 10]. وما أن بدأت المعركة حتى بدأ توالي النعم التي سوف تأني بالنصر، إمداد بالملائكة، بشرى لتطمئن القلوب، وثقة من أن النصر من عند الله العزيز الحكيم. ثم يأتي التذكير بالدلالة على ذلك فيقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به... ﴾.

8.11

والنعاس عبارة عن السنة الأولى التي تأخذ الإنسان عندما يحب أن ينام، ويسميها العامة في مصر " تعسيلة " ويقولون: " فلان معسل " أي أخذته سنة النوم، وهي ليست نوما بل فتور في الأعصاب يعقبه النوم، وهذا من آيات الله تعالى في أن يهب الإنسان راحة مؤقتة وليست نوما. وسبحانه يقول عن ذاته العليا:

لا تأخذه سنة ولا نوم..

[البقرة: 255]. أي أنه - جل وعلا - لا يأخذه النوم الخفيف ولا النوم الثقيل. لأن السنة هي إلحاح من الجسم في طلب النوم، ويكون نوما خفيفا، وسبحانه وتعالى ليس كمثله شيء فهو عز وجل لا يتجسد أو يتمثل في شيء، لا السنة تأخذه ولا النوم يقاربه، ونلحظ أن الإنسان إذا ما تكلم بجانب من تأخذه السنة فهو يصحو وينتبه. أما النائم بعمق فقد لا يصحو. فالسنة - إذن - هي الداعي الخفيف للراحة. أما النوم فهو الداعي الثقيل. وهنا أنزل الله عليهم النعاس بمثابة مقدمة للنوم ليستريحوا قليلا. ونعلم أن النوم آية من آيات الله عز وجل في كونه لأن الجسم حين يعبر عن نفسه بالحركة والطاقة ويأكل الغذاء ويشرب الماء ويتنفس الهواء، كل ذلك يتحول إلى طاقة ثم إلى وقود للحركة. وهذه الطاقة تتكون بالتفاعل بين العناصر المختلفة، من تمثيل للغذاء وتحويل الطعام إلى نوعيات مختلفة لتغذية كل خلية من خلايا الجسم بما يناسبها، ثم استخلاص " الأوكسجين " عبر التنفس وطرد ثاني أكسيد الكربون، وعشرات الآلاف من التفاعلات الكيميائية لا توجد بها فضلات لتخرج، وهي تختلف عن التفاعلات الأخرى التي تخرج منها الفضلات من أحد السبيلين، أو من صماخ الأذن أو غير ذلك. ومثل هذه الفضلات إنما تنتج من الاحتراقات التي نقول عنها: " العادم " في الآلات الميكانيكية. والعادم هو نتيجة الاحتراق وهي غازات تنفصل لتسير الحركة. وفي الإنسان نجد العادم يتمثل في الغائط، وما خرج من صماخ الأذن، و " عماص العين " ، والعرق، كلها عوادم. لكن هناك لون من تركيبة هذه التفاعلات يمثل لإيجاد الطاقة وليس له عادم. والوسيلة الأساسية لاستعادة التوازن الكيميائي المناسب للإنسان هي أن نريح الجسم، وتتفاعل مواد الجسم مع نفسها ويعود طبيعيا. وهذا لا يحدث إلا بالنوم. ولذلك نجد الإنسان حين يسهر كثيرا ويذهب إلى النوم يشعر برجليه وقد " خدلت " أو كما يقال: " نملت ". وهذا نتيجة عجز مواد الجسم عن التفاعل الذي تحتاجه نتيجة اليقظة، وهذه كلها مسائل لا إرادية. بدليل أن الإنسان يرغب أحيانا في أن ينام، ويتحايل أحيانا على النوم فلا يأتيه لأن النوم من العمليات المختصة بالحق سبحانه وتعالى، وهو آية من آيات الله في هذا الكون، ومن ضمن الآيات العجيبة.

واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:

ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغآؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون

[الروم: 23]. وحين حاول العلماء الباحثون أن يفسروا ظاهرة النوم، وضعوا عشرات النظريات، وآخر التجارب التي أجريت أنهم أحضروا إنسانا وعلقوه كالرافعة من وسطه، وكأنه عصا مرفوعة من وسطها بتوازن، وجعلوا كل نصف من النصفين متساويا في الوزن، وحين جاء النوم لهذا الإنسان محل التجربة وجدوا أن جهة من النصفين مالت، وكأن ثقلا ما جاءها من النصف الآخر فزادت كتلتها، وهذا آخر ما درسوه في النوم، هذه التجربة أثبتت أن النوم عجيبة من العجائب التي تستحق أن يقول الحق تبارك وتعالى عنها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٩٦