8.51
نحن نعلم أن معظم أعمال الإنسان يزاولها بيده، وقد يفعل أشياء بقدميه أو بلسانه لكن معظم الأعمال تتم باليد لأن اليد تحمل القدرة على الفعل. فسبحانه لم يفتئت عليهم. و " ذلك " إشارة إلى الضرب والعذاب الذي ينالونه جزاء ما قدمت أيديهم. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ وأن الله ليس بظلام للعبيد ﴾ [الأنفال: 51]. أي أن العذاب الذي يصيب الكفار يكون نتيجة أمرين ما قدمت أيديهم أي بما كسبت من الآثام والمعاصي، وعدل الله سبحانه وتعالى. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول:
لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد
[آل عمران: 181-182]. ويقول سبحانه وتعالى في سورة الحج:
ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد
[الحج: 10]. وهكذا نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد قال: إنه ليس بظلام للعبيد ثلاث مرات في القرآن الكريم، والذين يحبون أن يستدركوا على كتاب الله يقولون: إنه جاء في القرآن أكثر من مرة أنه سبحانه وتعالى ليس بظلام للعبيد. فهل هذا يعني أن الله - معاذ الله - ظالم؟. ونقول: لا، فسبحانه ينفي الظلم عن نفسه على إطلاقه. والإنسان حين يظلم فهو ظالم، فإذا اشتد ظلمه وتعدد، يقال: " ظلام ". إذن فهذه صيغة مبالغة في الظلم، مثلما تقول: فلان " آكل " وفلان " أكال " أي كثير الأكل مبالغة في تناول الطعام. وتقول: فلان " ناجر " أي أمسك قطعة خشب بدون خبرة وصنع منها شيئا. ولكنك إذا قلت: " نجار " كانت هذه صيغة مبالغة تبين إتقانه في صنعته، كذلك " خائط " و " خياط " ، ونقول: فلان " جازر " أي يستطيع أن يذبح، فإذا قلت: " جزار " أي عمله هو أن يذبح بإتقان. إذن " فعال " صيغة مبالغة في الفعل. وصيغ المبالغة لها حالتان، حالة إثبات وحالة نفي. فأنت حين تقول: فلان " أكال " أثبت له صفة المبالغة في الأكل - أي كثرة الأكل، ومن باب أولى صفة الأكل مطلقا، وما دمت قد أثبت له الصفة الأعلى تكون الصفة الأدنى ثابتة، فإذا قلت: إن فلانا " خياط " أثبت له أنه يعرف الخياطة ويجيدها. وإن قلت: إنه " نجار " أثبت له أنه ناجر متقن للنجارة، أما من ناحية النفي فإذا قلت: إن فلانا ليس أكالا تنفي المبالغة ولكنها لا تنفي أنه يأكل، فإذا قلت: إن فلانا ليس نجارا نفيت عنه إتقانه للنجارة ولكنك لا تنفي عنه أنه قد يكون ناجرا، وإذا قلت: إن فلانا ليس علامة فقد يكون عالما.
وأنت عندما تثبت الأعلى تثبت الأدنى، وعندما تنفي الأعلى لا تنفي الأدنى. وعندما تقول: إن فلانا ليس ظلاما، تكون قد نفيت الأعلى. ولكن لا يلزم نفي الأدنى فقد يكون ظالما فقط وليس ظلاما. إذن فكلمة " ليس ظلاما " نفت المبالغة فقط ولكنها لم تنف الظلم. وهذا ما قاله المستشرقون: إن آيات القرآن يناقض بعضها بعضا، ففي آية مثلا يقول: ﴿ ليس بظلام ﴾ فنفي الأعلى ولا يلزم من نفي الأعلى نفي الأدنى. ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة..
[النساء: 40]. فنفي الأدنى والأعلى. وهذا في رأيهم تضارب. نقول: هل إذا نفي الأعلى يلزم أن يثبت الأدنى؟ طبعا لا، إن نفي الأعلى لا يمنع أن يوجد الأدنى ولكنه لا يلزم بوجوده. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة..
[النساء: 40]. نفي مبدأ الظلم، وقوله تعالى: ﴿ وأن الله ليس بظلام للعبيد ﴾ [الأنفال: 51]. نفي مبدأ المبالغة، والقرآن يكمل بعضه بعضا، فإذا قيل: إن الله نفى الأعلى وهذا إثبات للأدنى نقول: إن نفي الأعلى لا يلزم منه إثبات الأدنى ولا يمنع من وجود الأدنى، فإذا جاءت آية أخرى ونفت الأدنى، إذن فلا هو بظلام ولا هو بظالم. ولا بد أن نلتفت إلى الإعجاز القرآني في الأسلوب، فالمتكلم هو الله. نقول: هل قال الله سبحانه وتعالى: ليس بظلام للعبد أم ليس بظلام للعبيد؟ لقد قال الحق: ﴿ ليس بظلام للعبيد ﴾ وهي هنا صيغة مبالغة، والمبالغة مرة تكون في قوة الحدث وإن لم يتكرر، ومرة تكون في المبالغة في تكرار الحدث، والإنسان حين يظلم ظلما بينا مبالغا فيه يقال عنه: إنه ظلام لأنه بالغ في الظلم، فإذا لم يبالغ في الظلم وكان ظلما بسيطا ولكنه شمل عددا كبيرا من الناس يكون ظلاما نظرا لتعدد المظلومين. وما دام الحق سبحانه وتعالى قال: ﴿ ليس بظلام للعبيد ﴾ ولم يقل: ليس بظلام للعبد، وبما أن الظلم يتناسب مع القدرة. نجد مثلا قدرة الحاكم على الظلم أكبر من قدرة محدود النفوذ وهذه أكبر من قدرة الشخص العادي، فلو كان الله سبحانه وتعالى مع كل واحد من عباده ظالما ولو مثقال ذرة لقيل: ظلام. وقد أراد الله سبحانه وتعالى بهذه الآية الكريمة أن يخبرنا أنه لا يظلم أحدا ولو مثقال ذرة، إذن فهو ليس بظلام للعبيد لأنه لو ظلم كل عبد من عباده ذرة لكانت كمية الظلم هائلة لكثرة العباد. ولكن حتى هذه الذرة من الظلم لا تحدث من الله سبحانه لأن الله ليس بظلام للعبيد. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى أمثلة قمة الكفر في الحياة الدنيا فيقول تبارك وتعالى: ﴿ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم... ﴾.