تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.24

وهنا نقل المسألة من سماع إلى استجابة لأن مهمة السماع أن تستجيب. ﴿ يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ﴾. أي استجيبوا لله تعالى تشريعا، وللرسول صلى الله عليه وسلم بلاغا، وغاية التشريع والبلاغ واحدة، فلا بلاغ عن الرسول إلا بتشريع من الله عز وجل، بل وللرسول صلى الله عليه وسلم تفويض بأن يشرع. ورسول الله لم يشرع من نفسة، وإنما شرع بواسطة حكم من الله تعالى حيث يقول:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى -: نسمع أن فلانا قد فصل لأنه غاب خمسة عشر يوما عن عمله في وظيفته، ويعود المحامي إلى الدستور الذي تتبعه البلد فلا يجد في مواد الدستور هذه الحكاية، ويسمع من المحامي الأكثر خبرة أن هذا القانون مأخوذ من تفويض الدستور للهيئة التي تنظم العمل والعاملين. ورسول الله صلى الله عليه وسلم مفوض من ربه بالبلاغ وبالتشريع. ﴿ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم.. ﴾ [الأنفال: 24]. ونجد هنا أيضا أن الحق تبارك وتعالى قال: ﴿ إذا دعاكم ﴾ ولم يقل: إذا دعواكم، وفي ذلك توحيد للغاية، فلم يفصل بين حكم الله التشريعي وبلاغ الرسول لنا. ونعلم أن الأشياء التي حكم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم حكما ثم عدل الله له فيها الحكم، هذا التعديل نشأ من الله، وهو صلى الله عليه وسلم لم ينشىء حكما عدله الله تعالى إلا فيما لم ينزل الله فيه حكما. وحين ينزل الله حكما مخالفا لحكم وضعه الرسول، فمن عظمته صلى الله عليه وسلم أنه أبلغنا هذا التعديل، وهكذا جاءت أحكامه صلى الله عليه وسلم إذا وافقت حقا فلا تعديل لها، وإن لم يكن الأمر كذلك فهو صلى الله عليه وسلم يعدل لنا. وبذلك تنتهي كل الأحكام إلى الله تعالى. فإذا قال قائل: كيف تقول إن قول الرسول يكون من الله؟ نجيب: إنه سبحانه القائل:

وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى

[النجم: 3-4]. و " الهوى " - كما نعلم - أن تعلم حكما ثم تميل عن الحكم إلى مقابله لتخدم هوى في نفسك، والرسول صلى الله عليه وسلم حينما عمد إلى أي حكم شرعه ولم يكن عنده حكم من الله عز وجل، فإن جاءه تعديل أبلغنا. إذن ما ينطق عن الهوى. أي من كل ما لم ينزله الله، وحكم فيه صلى الله عليه وسلم ببشريته، ولم يكن له هوى يخدم أي حكم، ونجد في قول الله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم.. ﴾ [الأنفال: 24].

أن كلمة " دعاكم " مفردة، مثلها مثل كلمة " يرضوه " في قوله لكم:

والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين

[التوبة: 62]. ومثلها مثل الضمير في " عنه " في قوله تعالى:

أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه..

[الأنفال: 20]. وفي هذه الآيات الكريمة توحيد للضمير بعد المثنى، وهذا التوحيد كان مثار شبهة عند المستشرقين، فقالوا: كيف يخاطب اثنين ثم يوحدهما؟ ونقول لمن يقول ذلك: لأنك استقبلت القرآن بغير ملكة العربية. فلم تفهم، ولو وجد الكفار في أسلوب القرآن ما يخالف اللغة لما سكتوا، فهم المعاندون، ولو كانوا جربوا في القرآن كلمة واحدة مخالفة لأعلنوا هذه المخالفة. وعدم إعلان الكفار عن هذه الشبهات التي يثيرها الأعداء، يدل على أنهم فهموا مرمى ومعنى كل ما جاء بالقرآن، وهم فهموا - على سبيل المثال - الآية التي يكرر المستشرقون الحديث عنها ليشككوا الناس في القرآن الكريم، وهي قول الحق تبارك وتعالى:

وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين

[الحجرات: 9]. وتساءل المستشرقون - مستنكرين -: كيف يتحدث القرآن عن طائفتين، ثم يأتي الفعل الصادر منهما بصيغة الجمع؟. ونقول: إن " طائفتان " هي مثنى طائفة، والطائفة لا تطلق على الفرد، إنما تطلق على جماعة، مثلما نقول: المدرستان اجتمعوا وصحيح أن المدرسة مفرد. لكن كل مدرسة بها تلاميذ كثيرون، وكذلك " طائفتان " ، معناها أن كل طائفة مكونة من أفراد، وحين يحدث القتال فهو قتال بين جمع وجمع لذلك كان القرآن الكريم دقيقا حين قال: ﴿ وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾. ولم يقل القرآن الكريم: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلا لأن هذا القول لا يعبر بدقة عن موقف الاقتتال لأنهم كطائفتين، إن انتهوا فيما بينهم إلى القتال. فساعة القتال لا يتحيز كل فرد لفرد ليقاتله، وإنما كل فرد يقاتل في كل أفراد الطائفة الأخرى، وهكذا يكون القتال بين جمع كبير من أفراد الطائفتين. وبعد ذلك يواصل الحق تبارك وتعالى تصوير الموقف من الاقتتال بدقة فيقول سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠١٥