تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.41

ما سبب ذكر الغنيمة هنا؟. وما المناسبة؟. ونقول: إن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن القتال. ونهاية كل معركة ينتصر فيها المسلمون يكون فيها غنائم. وهذه مناسبة الحديث عن الغنائم، وبما أن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن مدده للمؤمنين. وأنه ناصرهم، وأنه نعم النصير، ولكن الغنائم لا تجيء إلا نتيجة للنصر، فكأن الله يريد من المؤمنين أن يتأكدوا أن النصر سيكون من نصيبهم بدليل أن الحديث انتقل إلى الغنائم. والغنيمة هي كل منقول يأخذه المسلم المقاتل من الكافر، والثابت أن الغنائم لم تكن تحل لأحد من الأنبياء قبل رسول الله صلى عليه وسلم. ويقول الحق: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ﴾ [الأنفال: 41]. إذن فلله الخمس وتبقى أربعة أخماس توزع على المقاتلين. والخمس الذي هو لله كيف نقسمه؟ لقد ذكر القرآن أسلوب توزيع هذا الخمس بطريقة اختلف فيها العلماء فالآية تقول: ﴿ فأن لله خمسه وللرسول.. ﴾ [الأنفال: 41]. ثم تزيد: ﴿ ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.. ﴾ [الأنفال: 41]. وقد قال بعض العلماء تمسكا بظاهر الآية الكريمة: إن خمس الغنائم يوزع على من سماهم الله تعالى في كتابه العزيز وهم ستة: الله، الرسول، ذو القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل فتكون الأسهم ستة، وجمهور العلماء على أن خمس الغنائم يقسم خمسة أسهم فيكون لله وللرسول سهم واحد لأنه لا يوجد فصل بين الله ورسوله، والأسهم الأربعة الباقية من هذا الخمس توزع على الأنواع الأربعة ذي القربى - اليتامى - المساكين - ابن السبيل لكل نوع منهم سهم. واختلفوا أيضا في معنى ﴿ ولذي القربى ﴾ هل هم القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم ممن؟ ثم بعد ذلك جاء نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل فلم يحدث خلاف فيه - والخلاصة: أن الغنائم كلها تقسم خمسة أقسام خمسها لهؤلاء الخمسة وأربعة أخماسها الباقية للجيش المقاتل لأن الله تعالى بين حكم الخمس وسكت عن الباقي فدل ذلك على أنه للغانمين ثم يقول الحق: ﴿ إن كنتم آمنتم بالله.. ﴾ [الأنفال: 41]. وهم بطبيعة الحال مؤمنون بالله، وكأن هذا القول جاء ليراجعوا إيمانهم إذا اعترضوا على هذا التقسيم. فإن طمع أحد منهم في الخمس الذي هو لله ورسوله ولم يقنع بأربعة الأخماس المقسمة - كما قال الله تعالى - يكون قد خدش إيمانه بمن أصدر هذا الأمر، وسبحانه هو الذي أنزل هذا التقسيم. فمن زاغ وتطلعت عينه إلى شيء فليرد هذا الزيغ لأن الذي قسم هو الله الذي نصر المقاتلين. وإذا كان النصر هو الذي جاء بالغنائم، فالذي أعطى النصر هو الله سبحانه وتعالى، والنصر سبب من الله، وما يوهب للإنسان من الحق، على العبد أن يقبل فيه قسمة الله.

ومثال ذلك ما أراده الله للإنسان المسلم من حسن التصرف في ماله، فهو في حياته حر ويملك حق التصرف في هذا المال، واحتراما لمشاعرك الاجتماعية والإنسانية والعاطفية في البيئة التي تحيا فيها، جعل الله لك الحق في الوصية بأن تخصص ثلث مالك لما تريد ومن تريد، فقد ترى أن هناك إنسانا من غير أقربائك وهو بطبيعة الحال لن يرثك، ولكنه خدمك في حياتك أو في مرضك أو في شيخوختك، وأنت تريد أن تترك شيئا من ثروتك له، اعترافا بجميله، أو لعل هناك أناسا من معارفك تعرف أنهم أحوج من أبنائك، فتخصص لهم بعضا من المال، شرط ألا يتعدى الثلث، فيشاء الحق سبحانه وتعالى أن يضع للعواطف الإيمانية الإنسانية في الناس مجالا، فتترك لك الحرية في أن تتصرف في ثلث التركة ثم قسم الله سبحانه الثلثين على الورثة. إذن فقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ إن كنتم آمنتم بالله.. ﴾ [الأنفال: 41]. أي أنه سبحانه قد جعل من الإيمان أن يتم توزيع الغنائم بالشكل الذي حدده الله عز وجل، ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ﴾ [الأنفال: 41]. والفرقان هو الشيء الذي يفرق بين الحق والباطل فرقا واضحا بشدة بحيث يكون ظاهرا للجميع. وقد أطلق الله الفرقان على القرآن الكريم في سورة آل عمران فيقول تبارك وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٣٩