تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.2-3

وفي هاتين الآيتين الكريمتين خمس صفات لها ترتيب عقائدي وحركي وجوارحي، وبذلك يتحدد تشخيص كلمة " المؤمنين " ، هذه الصفات هي الأولى: أنه إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وثانية الصفات أنه: إذا تليت عليهم آيات الله زادتهم إيمانا، ثالثة الصفات: أنهم على ربهم يتوكلون، ورابعة الصفات: أنهم يقيمون الصلاة، وخامسة الصفات: أنهم ينفقون مما رزقهم الله. والصفة الأولى للمؤمنين هي: ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ [الأنفال: 2]. والوجل هو الخوف في فزع ينشأ منه قشعريرة، واضطراب في القلب، وحينما أراد الشعراء أن يعطوا صورة بهذا الإحساس، نجد شاعرا منهم يقول:

كأن القلب ليلة قيل يغدى

بليلى العامرية أو يراح

قطاط غرها شرك تجا

ذبه وقد علق الجناح

فالشاعر يصور حالة قلبه حين سمع بنبأ سفر حبيبته، كأنه صار مثل حمامة تحاول أن تخلص نفسها من شبكة أو مصيدة وقعت فيها، إنها تجاذب المصيدة حتى تخرج، وهي ترجف في مثل هذا الموقف، هكذا حال القلب لحظة فراق المحبوبة عند الشاعر. وإذا كان ذكر الله عز وجل يدفع قلوب المؤمنين إلى الوجل، ألا يتنافى ذلك مع قول الحق سبحانه وتعالى:؟

الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب

[الرعد: 28]. في الحقيقة لا يوجد تعارض بين القولين لأن ذكر الله تعالى يأتي بأحوال متعددة، فإن كان الإنسان مسرفا على نفسه، فهو يرجف حين يذكر الله الذي خالف منهجه. وإن كان الإنسان يراعي حق الله في كل عمل قدر الاستطاعة، فلا بد أن يطمئن قلبه لحظة ذكر الله لأنه اتبع منهج الله ما استطاع إلى ذلك سبيلا. إذن فالخوف أو الوجل إنما ينشأ من مهابة وسطوة صفات الجلال. والاطمئنان إنما يجيء من إشراقات وحنان صفات الجمال. ولذلك تجمعهما آية واحدة هي قول الحق تبارك وتعالى:

الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله

[الزمر: 23]. فالجلود تقشعر خوفا ووجلا ومهابة من الله عز وجل، ثم تلين اطمئنانا وطمعا في حنان المنان سبحانه وتعالى، لأن ربنا قال:

نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم

[الحجر: 49]. إذن فلا يقولن أحد إن هناك تعارضا بين الوجل والاطمئنان، فكلها من ذكر الله بالأحوال المتعددة للإنسان، فإذا ما وجل الإنسان فهو يتجه إلى فعل الخير فيطمئن مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى:

إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين

[هود: 114]. وهل يزيد الإيمان أو ينقص؟ اختلف العلماء في هذا الأمر. ونحن عندما ننظر إلى قول الحق نجده يؤكد زيادة الإيمان، وحينما نسأل ما الإيمان؟ وما الإسلام؟.... إلخ نجد الجواب في توضيح الرسول صلى الله عليه وسلم ورده على السائل في الحديث الآتي والذي يرويه الصحابي الجليل سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال:

" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس فأتاه رجل فقال يا رسول الله: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر، قال يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال يا رسول الله: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك. قال: يا رسول الله: متى الساعة؟ قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها فذلك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رءوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله. ثم تلا صلى الله عليه وسلم: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير، ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوا علي الرجل فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٨٥