[النحل: 78]. والسمع والأبصار هما عمدة الحواس، نأخذ بهما محسات ونكون منها معلومات عقلية. والحق تبارك وتعالى هنا يقول: ﴿ إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ﴾ [الأنفال: 19]. والفتح يطلق إطلاقات متعددة، منها الحسي، مثل فتح الباب أو فتح الكيس ويقصد إزالة إغلاق شيء يصون شيئا، مثل فتح الباب، والباب إنما يصون ما بداخل الغرفة. والفتح الحسي يمثله القرآن الكريم بقول الحق تبارك وتعالى:
ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم..
[يوسف: 65]. أي إن إخوة يوسف حين فتحوا الأخراج - وكانت هي بديلة الحقائب - وجدوا البضاعة التي كانوا قد أخذوها معهم ليستبدلوا بها سلعا أخرى. وهذا هو الفتح الحسي. وقد يكون الفتح في الأمور المعنوية كالفتح في الخير وفي العلم مثل قول الحق تبارك وتعالى:
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها..
[فاطر: 2]. إذن ففتح الرحمة فتح معنوي. وقد يكون الفتح في الحكم لأن الحكم يكون بين أطراف مشتبكة في قضية، وكل طرف يدعي على الآخر، ويأتي الحكم ليزيل خفاء القضية ويفتحها. ومثال ذلك ما حدث بين سيدنا نوح عليه السلام وقومه. فقومه قالوا:
قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين
[الشعراء: 116]. فماذا قال سيدنا نوح عليه السلام؟:
قال رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين
[الشعراء: 117 - 118]. أي أن سيدنا نوحا عليه السلام قد دعا الله أن يفصل في القضية التي بينه وبين قومه بالحق وهو يعلم أن الله تعالى معه. لذلك طلب منه النجاة لنفسه ولمن معه من المؤمنين. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد أن الفتح يأتي بمعنى الحكم الذي يفصل بين المتنازعين، وهو صلب حكم يفصل بين فريقين، فريق الهدى والداعي إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه من المؤمنين، وفريق الضلال وهم كفار قريش. وقد استفتح الفريقان، فقد قال أبو جهل حين التقى القوم: " اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة ". لقد ظن أبو جهل أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم يقطع رحمهم، ويجعل الولد يترك أباه وأمه، وأيضا كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: " اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين وخير القبيلتين ".
هكذا كان دعاء الكفار. أما دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو قوله:
" يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا ".
والاستفتاح من الطرفين يدل على أن كلا منهما مجهد بأمر الآخر، فلو كان أحدهما مرتاحا والآخر متعبا لطلب المتعب الفتح وحده. وجاء الحكم من الله سبحانه وتعالى في القضية هذه، حيث حكم تبارك وتعالى على الكافرين بأن يسلبوا ويقتلوا ويصبحوا مثار السخرية من أنفسهم وممن يرونهم وقد استحقوا ذلك بسبب كفرهم وضلالهم وعنادهم ومحاربتهم للحق، والذي رجح أن الفتح جاء أيضا من المؤمنين أن الحق قال: ﴿ فقد جآءكم الفتح ﴾ [الأنفال: 19]. أي إن كنتم قد استفتحتم وطلبتم الفصل والحكم فقد جاءكم الفتح، وهذا الفتح كان في صالح المؤمنين، وأيضا في صالح دعاء الكافرين، إنه جاء في الأمرين الاثنين فتح للمؤمنين، وفي صالح دعاء الكفار. فأنتم - أيها الكافرون - قد دعوتم، فإما أن تكونوا قد دعوتم والله أجاب دعاءكم وهو شر عليكم، وهذا دليل على أنكم أغبياء في الدعاء، وما دام الفتح قد جاء، كان الواجب أن ينتهي كل فريق عند الحد الذي وقع، وكان على الكافرين أن يقتنعوا بأنهم انهزموا، وعلى المؤمنين أن يقتنعوا بأنهم انتصروا. ﴿ وإن تنتهوا فهو خير لكم.. ﴾ [الأنفال: 19]. و " تنتهوا " هذه صالحة أولا بظاهرها للكفار، أي إن تنتهوا عن معاداة الرسول وخصومته، واللجج في أنكم جعلتموه عدوا، وتتكتلون وتتآمرون عليه، فإن تنتهوا فهذا خير لكم في دنياكم لأنكم قد رأيتم النتيجة. حيث قتل البعض من صناديدكم، وأسر البعض الآخر، وأخذت منكم الأسلاب والغنائم. فإن انتهيتم عن العمل الذي سبب هذا فهو خير لكم في دنياكم، وخير لكم أيضا في أخراكم إذا كان الانتهاء سيئول بكم إلى أن تنتهوا عن مخاصمة الدين الذي تخاصمونه وتصبحوا من المنتمين إليه. ويتابع سبحانه وتعالى قوله: ﴿ وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت.. ﴾ [الأنفال: 19]. وإن لم تنتهوا وعدتم إلى العداء ومحاربة هذا الدين فسنعود لنصرة المؤمنين، وإياكم أن تقولوا إنكم فئة كثيرة ففئتكم لن تغني من الله عنكم شيئا، والدليل على ذلك أنكم هزمتم في بدر وأنتم كثرة، وأصحاب عدد، وأصحاب عدة. فما أغنت عنكم كثرتكم ولا عدتكم شيئا. ﴿ ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ﴾ [الأنفال: 19]. وكان المؤمنون قلة ورغم ذلك كانوا هم الغالبين. وما تقدم إنما يعني الكلام بالنسبة للكفار، فماذا إذا كان الكلام والاستفتاح بالنسبة للمؤمنين، ففي أي شيء ينتهون؟.