8.26
وبعد كل ما حدث من وقائع، يذكر الحق عز وجل هنا صاحب الحال الأعلى بالماضي الأدنى، ليثبت له: أن الذي نقلك من أدنى حياة إلى أعلى حياة، موجود ولا يزال موجودا، وما دام قد شاءت قدرته أن ينقلك من الأدنى للأعلى، فقدرته سبحانه وتعالى - إن شاءت - نقلتك من الأعلى إلى الأدنى. فإذا كنت في حال أعلى إياك أن تنسى أنك كنت في حال أدنى. وعليك أن تعترف بجميل عطاء الخالق المنعم المتفضل وتقول: إن ربي القوي العظيم هو الذي وهبني ورفع مكانتي ولم أفعل ذلك بمهارتي، وحتى إن كنت قد ارتقيت بالمهارة، فالمهارة عطاء منه سبحانه وتعالى، لذلك يقول المولى عز وجل هنا: ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ﴾. أي اجعلوا هذا الأمر على بالكم دائما وإياكم أن تخافوا أية قوة مهما بلغت هذه القوة، ولكن أعدوا لكل قوة ما يناسبها من أسلوب المواجهة الكثير لأنكم حملة دعوة، ومن يحمل الدعوة قد يعاني من المصاعب والمتاعب والمشقات لكن يجب ألا يفت ذلك في عضدكم. لقد كان المسلمون الأوائل قلة تعاني من إذلال واضطهاد الكافرين الأقوياء. وكان المسلم من الأوائل لا يجد أحيانا من يحميه من اضطهاد المتجبرين، فيلجأ إلى كافر يتوسم فيه الرحمة ويقول له: أجرني من إخوانك الكفرة. وحين بلغ الضعف بالمسلمين الأوائل أشده، ولم يجدوا حاميا لهم من ظلم وتعذيب الكفار، عرض عليهم صلى الله عليه وسلم أن يهاجروا إلى الحبشة لأن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد. وكانت الهجرة إلى الحبشة هربا من قوة الخصوم، ولم يظل حال المسلمين كذلك، بل نصرهم الله لا بقوتهم، ولكنه سبحانه وتعالى شاء لهم أن يأخذوا بأسباب منهجه فانتصروا وعلت كلمة الله عز وجل. إننا نتخذ من هذه المسألة حجة ومثلا نواجه به من يشككون في قدرة المسلمين على إدارة الحياة والارتقاء بها لأن العالم كله قد شهد ألف عام كان المسلمون فيها هم قادة العلم والفكر والابتكار، وكانت غالبية الدول تخضع لحكم دولة الإسلام. لقد سبق أن قلت: إن هارون الرشيد الخليفة المسلم بعث لشارلمان ملك فرنسا بهدية هي ساعة دقاقة بالماء تم تصميمها بدقة عالية تفوق طاقة خيال الناس في فرنسا، ولحظة أن شاهدوها في فرنسا ظنوا أن الشياطين هي التي تحركها لأن التقدم العلمي والتطبيقي في بغداد في ذلك الوقت فاق كل التصور الأوروبي حيث كانوا يعيشون في تخلف علمي شديد. لكن المسألة انعكست في زماننا هذا وصرنا نعاني من تخلف في الأخذ بأسباب الله للاستفادة بالعلم، فحين جاء " الراديو " وجاء " التليفزيون " إلى بعض البلاد الإسلامية، وجدنا من يقول عن الراديو: إن بداخله شيطانا يتكلم ويلون ويغير من صوته.
ولم يغير أصحاب هذا الرأي اندهاشهم ورفضهم لوجود محطة الإذاعة وأجهزة الاستقبال في بلادهم إلا بعد أن قلنا لهم: حركوا مؤشر الراديو وستجدونه يذيع القرآن الكريم، وحين فعلوا ذلك استمعوا إلى صوت الشيخ محمد رفعت، وكان يقرأ في سورة مريم، وقلنا لأصحاب هذا الرأي: إن الشيطان لا يقرأ القرآن، بل إن الإذاعة وأجهزة الاستقبال هي اختراعات علمية توصل إليها من أخذوا بأسباب الله في العلم التطبيقي. وحين جاء اختراع " الميكروفون " وطالب الكثير بوضعه في المساجد وقت صلاة الجمعة، وجدنا البعض يرفض دخول الميكروفون إلى المسجد، متجاهلا أن هناك مساجد كبيرة يحتاج إسماع الناس فيها لخطبة الجمعة وجود أكثر من " ميكروفون ". وقلت لواحد من هؤلاء: ليصلح الله حالك وبالك، لماذا ترتدي نظارة طبية وتضعها على عينيك؟ أجابني: لأن نظري ضعيف والنظارة تكبر لي الكتابة. فقلت: وهكذا " الميكروفون " يكبر الصوت ليسمعه من يجلس بعيدا عن المنبر والإمام، أثناء صلاة الجماعة وصلاة الجمعة. فإذا كان بعض من الدول الإسلامية قد وصل بها الحال إلى هذا الحد من العجز في تقبل العلم، فهذا تنبيه لنا لأن نعيد الأخذ بأسباب الله في الكون، ولنطور العلوم، ونخدم بها منهج الله، بدلا من أن نظل متخلفين رغم أن منهج الله يحضنا على الأخذ بالأسباب الموجودة في الكون، وكلنا يعلم أن كون الله في يده والنواميس في يده، يسخرها سبحانه وتعالى لمن يأخذ بالأسباب. ويذكرنا الحق تبارك وتعالى بقوله: ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس.. ﴾ [الأنفال: 26]. والخطف هو أخذ بسرعة، أي أن يأخذ إنسان أو جماعة غير الحق، وعرفنا من قبل أن أخذ غير الحق له صور متعددة، والمثال: نجد تاجرا يعرض أي يفرش بضاعته من تمر أو تفاح، ويأتي أحد المارة لينظر إلى البضاعة المعروضة والمفروشة وليس معه نقود يشتري بها فيخطف تفاحة أو بعضا من التمر ويجري بسرعة، ويحاول صاحب البضاعة أن يجري وراءه فلا يلحق به هذا هو الخطف، لكن إن استطاع صاحب البضاعة أن يلحق به وحاول اللص أن يتخلص ويفلت منه فهذا اسمه " غصب " ، أما السرقة، فهي أخذ المال خفية من حرز وصاحبه غير موجود. ويختلف كل ذلك عن الاختلاس لأن الاختلاس هو أن تأخذ مما في حوزتك وأنت مأمون عليه إذن أخذ غير الحق له عدة صور هي: خطف، أو غصب، أو سرقة أو اختلاس. والحق تبارك وتعالى يقول: ﴿ تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره.. ﴾ [الأنفال: 26]. أي يأخذونكم دون أن يدافع عنكم أحد. وها أنتم أولاء قد صرتم أقوياء باستقرار الإيمان في قلوبكم، وبمدد من الله عز وجل لذلك يجب أن تذكروه دائما امتنانا وتقديرا وعبادة، وشكرا، وخشوعا.