تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.66

وفي هذا الحكم تخفيف عن الحكم السابق، الذي جاء فيه أن عشرين صابرين يغلبوا مائتين، ونعلم أن هناك شروطا للقتال، أولها أن يكون المقاتل قوي البدن وقوي الإيمان وعلى دراية بحيل الحرب وفنونها بحيث يستطيع أن يناور ويغير مكانه في المعركة ويخدع عدوه لأن نتيجة المعركة لا تحسمها معركة واحدة، بل لا بد من كر وفر وإقبال وإدبار وخداع للقتال ومناورات مثلما فعل خالد بن الوليد في كثير من المعارك. إذن فلكي تضمن أن عشرين صابرين يغلبون مائتين لا بد أن يتحقق في هؤلاء جميعا قوة وصبر وجلد، ولكن قد لا تكون قوة البدن متوافرة والجلد ضعيفا. وقد تأتي للإنسان فترات ضعف، وتأتيه أيضا فترات قوة. ومن رحمته سبحانه وتعالى بالمؤمنين أنه خفف عنهم لأنه يعلم أن هناك فترات ضعف تصيب الإنسان لذلك جعل النسبة واحدا إلى اثنين. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ﴾ [الأنفال: 66]. وهل معنى ذلك أن الآية الأولى قد نسخت؟ نقول: لا، ولكن الآية الثانية أعطت حالات الأغيار والضعف البشري وحسبت لها حسابا. ولذلك نجد الحكم الأول قائما وهو الحد الأعلى، كما أن الحكم الثاني - أيضا - قائم وهو الحد الأدنى، فإذا لقي مؤمن ثلاثة كفار وفر منهم لا يعد فارا يوم الزحف، ولا يؤاخذه الله على ذلك. لكن إن واجهه اثنان فانسحب وتركهما يعتبر فارا لأن الحد الأدنى هو واحد لاثنين. وتكون هذه أقل نسبة موجودة. والنسب تتفاوت بين واحد إلى اثنين حتى واحد إلى عشرة، حسب قوة الصبر وقوة الجسم وعدم التحيز إلى فئة. وبطبيعة الحال نعلم أن القوي قد يصير ضعيفا. وكذلك فإن بعضا من النفوس قد تضيق بالصبر، وأيضا حين زاد عدد المؤمنين، فمن المحتمل أن يتكل بعضهم على بعض. ولكنهم عندما كانوا قلة، كان كل واحد منهم يبذل أقصى قوته في القتال للدفاع عن عقيدته. والمشرع لا يشرع للمؤمنين بما يحملهم ما لا يطيقون، ولكنه يشرع لهم ليخفف عنهم، والمثال على ذلك نجد أن الله قد أباح الإفطار في رمضان إذا كان الإنسان مريضا أو على سفر، وكذلك شرع الحق تبارك وتعالى قصر الصلاة أثناء السفر، إذن فالمشرع قد عرف مواطن الضعف في النفس البشرية التي تجعلها لا تقوى على التكليف. وفي هذه الحالة يقوم المشرع ذاته بالتخفيف، ولا يتركنا نحن لنخفف كما نشاء. وبعض الناس يقول: إن الحياة العصرية لم تعد تتحمل تنفيذ هذه التشريعات، وأنه ليس في وسعنا في هذا العصر أن نلتزم، وأن ربنا سبحانه وتعالى يقول:

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

[البقرة: 286]. ونقول لكل من يقول ذلك: لقد فهمت وسع النفس خطأ، وكأن عليك أن تقيس وسعك بالتكليف، ولا تقيس التكليف بوسعك. والسؤال: هل كلف الله سبحانه وتعالى أو لم يكلف؟ فإن كان قد كلف فذلك تأكيد على أنه في استطاعتك، ولا تقل: أنا سأقيس استطاعتي. ثم ابحث هل التكليف في نطاق هذه الاستطاعة أم لا؟ وعليك أن تبحث أولا: هل كلفت بهذا الأمر أم لم تكلف؟ فإذا كنت قد كلفت به يكون في استطاعتك أداء ما كلفت به لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يكلف نفسا إلا ما آتاها لا تفرض أنت استطاعة ثم تخضع التكليف لها، ولكن اخضع استطاعتك للتكليف. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ﴾ [الأنفال: 66]. و " الآن " تعني الزمن، وقد خفف الله أي هو سبحانه وتعالى الذي رفع المشقة، وأنت تقول هذا الشيء خفيف وهذا الشيء ثقيل. لكن أتعرف بأي شيء حكمت بمقدار المشقة التي تتحملها في أدائه؟. فإن رفعت قلما تقول: هذا خفيف، وإذا رفعت قطعة حجر كبيرة تقول: هذه ثقيلة، بأي شيء حكمت؟ هل بمجرد النظر؟ لا. فأنت لا تستطيع أن تفرق بالنظر بين حقيبتين متماثلتين لتقول هذه ثقيلة وهذه خفيفة لأن إحداهما قد تكون مملوءة بالحديد، والثانية فيها أشياء خفيفة ولا تستطيع أن تحكم باستخدام حاسة السمع ولا حاسة اللمس لأنك باللمس لا تستطيع أن تحكم على حقيبة بأنها خفيفة والأخرى ثقيلة، ولا بحاسة الشم أيضا. إذن فكل وسائل الإدراك عاجزة عن أن تدرك خفة الشيء أو ثقله، فبأي شيء ندرك؟. ونقول: قد اهتدى علماء وظائف الأعضاء أخيرا إلى أن الثقل والخفة لهما حاسة هي حاسة العضل، فحين يجهد ثقل ما عضلات الإنسان ويحملك مشقة أنه ثقيل، فهو يختلف عن تقل لا يؤثر على العضل ولا تحس فيه بأي إجهاد لأن هذا الثقل يكون خفيفا. إذن فهناك وسائل للإدراك لم نكن نعرفها في الماضي واكتشفها العلم الحديث. أنت مثلا حين تمسك قماشا بين أصابعك تقول: هذا قماش كثيف أو سميك وهذا خفيف أو رقيق، ما هي الحاسة التي عرفت بها ذلك؟ نقول: إنها حاسة " البين " فقد ابتعدت أصابعك قليلا في القماش الثقيل، وقربت من بعضها في القماش الرقيق، وقد يصل الفرق إلى ملليمتر واحد أو أقل لا تدركه بالنظر ولكن تدركه بحاسة البين. وإياكم أن تحسبوها رياضيا وعدديا وتقولوا إن النصر بالعدد لأنكم بذلك تعزلون أنفسكم عن الله، أو إنما تفتنون بالأسباب، فكل نصر هو بإذن الله ومن عند الله تبارك وتعالى. ولماذا لم يقل الحق سبحانه: علم فيكم ضعفا وخفف عنكم؟ لأنه سبحانه وتعالى أراد أن يكون الترخيص في الحكم أثبت من الحكم، على أن هذا التخفيف قد يعود إلى عدة أسباب منها أن حكم الله أزلي.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٧٦