8.18
و " ذلكم " إشارة إلى أن الأمر كان كذلك، وسبحانه وتعالى هنا يخبرنا أنه موهن كيد الكافرين، أي يضعف هذا الكيد، ولسائل أن يقول: لماذا لا ينهاهم؟ ولماذا يضعف الكفر فقط؟ ونقول: إن إضعاف الكفر يهيج على الإيمان ويحبب المؤمنين في الإيمان حين يرون آثار الكفر التي تفسد في الأرض وهي تضعف، ولأن الحمية الإيمانية تزيد حين يهاج الإسلام من خصومه. إذن فبقاء الكفر لون من استبقاء الإيمان. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم... ﴾.
8.19
و " تستفتحوا " من الاستفتاح وهو طلب الفتح لأن الألف والسين والتاء تأتي بمعنى الطلب، فنقول: استفهم أي طلب الفهم، و " إن تستفتحوا " ، أي تطلبوا الفتح، ونعلم أن المعنويات مأخوذة كلها من الأمر الحسي لأن أول إلف للإنسان في المعلومات جاء من الأمور الحسية ثم تتكون للإنسان المعلومات العقلية. ومثال ذلك قولنا: " إن النار محرقة " ، وعرفنا هذا القول من تجربة حسية مرت بأكثر من إنسان ثم صارت قضية عقلية يعرفها الإنسان وإن لم ير نارا وإن لم ير إحراقا. وعندما تجتمع المحسات تتكون عند الإنسان خمائر معنوية وقضايا كلية يدير بها شئونه العامة، ومثال ذلك: إننا نعرف جميعا أن المجتهد ينجح، وأخذنا هذه الحقيقة من الواقع، تماما كما أخذنا الحقيقة القائلة: إن المقصر والمهمل كل منهما يرسب. وسبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذه فيقول:
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا..
[النحل: 78]. أي أن الإنسان منا مخلوق وهو خالي الذهن، وخلو الذهن يطلب الامتلاء، وكل معلومة يتلقاها الذهن الصغير يستطيع أن يستظهرها فورا، ولذلك نجد التلميذ الصغير أقدر على حفظ القرآن الكريم من الشاب الكبير لأن هذا الشاب الكبير قد يزدحم ذهنه بالمعلوم العقلي. وقد شرح لنا علماء النفس هذه المسألة حين قالوا: إن لكل شعور بؤرة هي مركز الشعور. والأمر الذي تفكر فيه تجد المعلومات الخاصة به في ذهنك فورا. وقد تتزحزح هذه المعلومات من ذاكرتك إذا فكرت في موضوع آخر، كما تتزحزح المعلومات الخاصة بالموضوع السابق إلى حافة الشعور لتحل مكانها المعلومات الخاصة بالموضوع الجديد في بؤرة الشعور. والحيز في المعنويات مثله مثل الحيز في الحسيات، فأنت حين تملأ زجاجة بالمياه لا بد أن تكون فوهة الزجاجة متسعة لتدخل فيها المياه ويخرج الهواء الذي بداخل الزجاجة. لكن إن كانت فوهة الزجاجة ضيقة كفوهة زجاجة العطر مثلا فهذه يصعب ملؤها بالمياه إلا بواسطة أداة لها سن رفيع كالسرنجة الطبية حتى يمكن إدخال المياه وطرد الهواء الموجود بداخل الزجاجة ذات الفوهة الضيقة. وهكذا نرى أن الحيز في الأمور المحسة لا يسع كميتين مختلفتي النوعية، ويكون حجم كل منهما مساويا لحجم الحيز. وتقترب المسألة في المخ من هذا الأمر أيضا، فأنت لا تتذكر المعلومات الخاصة بموضوع معين إلا إذا كان الموضوع في مركز الشعور، فإذا ما ابتعد الموضوع عن تفكيرك بعدت المعلومات الخاصة به إلى حاشية الشعور البعيدة. والطفل الصغير يكون خالي الذهن لذلك يستقبل المعلومات بسرعة ويكون مستحضرا لها. ولذلك لا يجب أن نتهم إنسانا بالغباء وآخر بالذكاء لمجرد قدرة واحد على سرعة التذكر وعجز الآخر عن مجاراة زميله في ذلك، فالذكاء له مقاييس متعددة ما زال العلماء إلى الآن يختلفون حولها.
لكن في موضوع التذكر اتفق جانب كبير من العلماء على أن الذهن كآلة التصوير يأخذ المعلومة من أول لقطة شريطة أن تكون بؤرة الشعور خالية لهذه المعلومة. أما إن كانت بؤرة الشعور مشغولة بأمر آخر فهي لا تلتقط المعلومة. والحق سبحانه وتعالى هو القائل:
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون