تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.68

هذه الآية الكريمة تشرح وتبين أن الحق سبحانه وتعالى لا يحاسب أحدا إلا بعد أن ينزل التشريع الذي يرتب المقدمات والنتائج، ويحدد الجرائم والعقوبات، ولولا ذلك لنزل بالمؤمنين العذاب لأخذ الأسرى، من قبل أن تستقر الدعوة، وبما أن الحق تبارك وتعالى لا ينزل العذاب إلا بمخالفة يسبقها التشريع الذي يحددها، لولا ذلك لأنزل العذاب بالمؤمنين، ولكن بما أن هذا الفعل لم يجرم من قبل فلا عقاب عليه. وينتقل الحق سبحانه وتعالى إلى الغنائم التي حصل عليها المؤمنون في غزوة بدر فيقول تبارك وتعالى: ﴿ فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا... ﴾.

8.69

أي إياكم أن تنفقوا ما غنمتموه بسفاهة في أي شيء لا لزوم له، بل اتقوا الله فيما أعطاكم ومنحكم من غنائم. سواء كانت منقولات أم مالا أم أسرى تجعلونهم يقومون بأعمال يعود نفعها وعائدها إليكم. اتقوا الله في كل هذا ولا تنفقوه بحماقة، وقوله تعالى: ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ أي أن الله تعالى قد غفر لكم ما فعلتم قبل أن تنزل هذه الآية الكريمة: ثم يخاطب الحق سبحانه وتعالى الأسرى بعد ذلك فيقول: ﴿ يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا... ﴾.

8.70

أي إن صح كلام العباس في إسلامه وأنه كتم الإسلام فالله يعلم ما في قلبه وسوف يعطيه الله خيرا مما أخذ منه. وبالفعل فاء الله على العباس بالخير. فقد أسند الطبري إلى العباس أنه قال: في نزلت - أي هذه الآية - حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى وقال: " ذلك فيء " فأبدلني الله من ذلك عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي. وفي الرواية التي ذكرها ابن كثير قال العباس فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجوه من مغفرة الله عز وجل، وهكذا تحقق قول الله عز وجل: ﴿ يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ﴾ [الأنفال: 70]. وبعد أن نزلت هذه الآية الكريمة، وكانت موافقة لما اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرارات، وأبلغ صلى الله عليه وسلم الأسرى بالحكم النهائي من الله: لا تفكون إلا بالفداء أو بضرب الرقاب. وهنا قال سيدنا عبد الله بن مسعود: يا رسول الله إلا سهل بن بيضاء فإنني عرفته يذكر الإسلام ويصنع كذا وكذا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهل بن بيضاء، وقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ ويغفر لكم والله غفور رحيم ﴾ [الأنفال: 70]. أي ما دام في قلوبكم الخير وقد آمنتم أو ستدخلون في الإسلام فالله يعلم ما في قلوبكم وسيغفر لكم لأنه غفور رحيم. وعندما استقر الأمر قال بعض من الأسرى: يا رسول الله: إن عندنا مالا في مكة، اسمح لنا نذهب إلى هناك ونحضر لك الفداء، وخشي صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه خدعة واحتيالا، فماذا يفعل؟ أيطلق سراحهم ويصدقهم فيحضرون الفدية؟ أم هذه حيلة وقد أضمروا الخيانة والغدر؟. فنزل قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٨١