8.38
و " قل " أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، وما دام قد وجد أمر، فلا بد من وجود المبلغ للأمر، أي أن هناك مخاطبا ومخاطبا، والمخاطب هنا هو الله سبحانه، والمخاطب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى قال له: " قل " ، والبلاغ المطلوب منه إبلاغه للناس هو ما يتضمنه قول المولى سبحانه: ﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف.. ﴾ [الأنفال: 38]. أي إن انتهوا عن الكفر غفرت لهم ذنوبهم التي ارتكبوها أيام كفرهم، ونلاحظ هنا اختلافا في أسلوب الكلام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يخاطب الكافرين كان الذي يفرضه السياق أن يقول لهم: إن تنتهوا يغفر لكم لأن الخطاب لا بد أن ينسجم مع المخاطب، وعادة عندما توجه الخطاب لشخص تكون هناك " لام التوجيه " ، تقول: وجهت الخطاب لفلان، وتخاطبه بشكل مباشر، ولكن الله يقول هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم.. ﴾ [الأنفال: 38]. وكان سياق الكلام يقتضي القول: إن تنتهوا يغفر لكم، ولكن الله سبحانه وتعالى عدل عن إن تنتهوا إلى " إن ينتهوا " ، والكلام مخاطب به الكفار، والكفار حاضرون فكيف يخاطبهم بصيغة الغائب؟ لقد أراد الله تعالى أن يأتي الخطاب ليعم كل متكلم يقال له هذا الكلام من أي مؤمن، فكأنه قد عمم الخطاب ليقطع المعاذير. ومثل ذلك مثل قول الحق تبارك وتعالى:
وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونآ إليه..
[الأحقاف: 11]. وإذا أخذنا ذات المقياس لكان الكلام يقتضي أن يقال: لو كان خيرا ما سبقتمونا إليه، ولأن هذه العبارة قيلت من أكثر من كافر في أماكن متعددة للمؤمنين، وأراد الله سبحانه وتعالى: أن يلفتنا لذلك، فعمم الخطاب حتى يشمل جميع الحالات ولا ينطبق على حالة واحدة فقط، بل ينطبق على كل حالة مماثلة لذلك قال سبحانه: ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف.. ﴾ [الأنفال: 38]. وهذا يدلنا على أنهم إن انتهوا عن مقاومة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنادهم معه فهو سبحانه وتعالى يغفر لهم، لأن العناد والمقاومة ناشئان عن الكفر، فإن انتهوا عنهما، صاروا مؤمنين. والإسلام يجب ما قبله. ولذلك عندما أعلن محارب عن إيمانه واعتنق الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم دخل المعركة فاستشهد صار شهيدا لأنه قد غفر له بشهادة الإسلام كل ذنوبه التي حدثت منه أثناء الكفر، وهي الذنوب التي تتعلق بحقوق الله تعالى، أما ما يتعلق بحقوق الناس، فعلى ورثته أن يؤدوها عنه.
ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ﴾ [الأنفال: 38]. وقوله هنا: ﴿ وإن يعودوا ﴾ أراد به الله أن يعلمنا أن تجري هذه الكلمة على اللسان، فإن عادوا مرة أخرى إلى الكفر والعناد، يطردوا من رحمة الله ومغفرته، إذن فشرط الغفران لهم أن يستمروا في إيمانهم وألا يعودوا للكفر مرة أخرى، وقوله تعالى: ﴿ فقد مضت سنة الأولين ﴾. والسنة هي الطريقة أو الكيفية أو الحالة التي يكونون عليها ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الأحزاب: 62]. أي الطريقة التي اختارها الله لمعالجة الأمور بالحق والعدل، ومعنى قوله تعالى: ﴿ مضت سنة الأولين ﴾. أي الطريقة التي عرفتموها وعالج بها الله عز وجل أمر من عاند الرسل ووقف منهم موقف المنازعة والمعارضة. ومثل ذلك حدث للكفار في بدر، فكأن من يقف أمام دعوة الله ومنهجه لا بد أن يتعرض للهلاك كما حدث مع كل من قاوم الأنبياء، فأنتم تعرفون ما صنعه الله بقوم هود وقوم عاد وقوم ثمود وقوم فرعون. ومر كل ذلك عليكم، كسنة عامة تشمل كل من قاوم الأنبياء ووقف في طريق دعوتهم إلى الله. والخطاب هنا إما أن يكون خطابا لهم على حالهم في وطنهم وما حدث للمخالفين في بدر وقد رأوا مصارعهم، وإما أن يكون الخطاب مبينا لسنة الله تعالى وقد شاءت سنته سبحانه إبادة كل مخالف لسنته. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله... ﴾.