قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين
[البقرة: 249]. أي أن هذه الفئة المؤمنة التي بقيت والتي تخشى حساب الله في الآخرة لم تخفهم قلتهم ولا كثرة جنود جالوت، بل قالوا: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وانتصروا بالفعل، وكان هذا فرقانا ظاهرا من الله عز وجل. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.. ﴾ [الأنفال: 41]. أي يوم التقاء جمع المؤمنين وجمع الكفار، وتحقق نصر المؤمنين، رغم قلة العدد والعتاد. ولذلك يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية بالقول الكريم: ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ [الأنفال: 41]. أي أن الله عز وجل قادر على أن ينصر المؤمنين وهم قلة وغير مستعدين للقتال. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿ إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم... ﴾.
8.42
ساعة تسمع " إذ " تعرف أنها ظرف، ومعناها: اذكر هذا الوقت، اذكر إذ أنتم بالعدوة الدنيا، والعدوة شاطيء الوادي وجانبه. وهي جبل مرتفع لأن الجبال إن كان بينها فضاء نسمي هذا الفضاء واديا، فيكون الوادي هو الفضاء بين جبلين، ويكون المكان العالي الذي على يمين الوادي وعلى شماله عدوة. وقوله تعالى: ﴿ بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى.. ﴾ [الأنفال: 42]. توضيح وبيان لجغرافية المعركة، وأهل الإسلام كانوا من ناحية المدينة، وقوله تعالى: " دنيا " تأنيث الأدنى أي الأقرب، فالمسلمون كانوا قريبين من المدينة. وكان الكفار قادمين من مكة، ونزلوا في المكان الأبعد. فقوله تعالى: ﴿ أنتم بالعدوة الدنيا.. ﴾ [الأنفال: 42]. أي في مكان قريب، وموقع غزوة بدر - كما نعلم - قريب من المدينة، أما كفار قريش فقد جاءوا من مكة. وبذلك جاءوا من مكان بعيد عن المدينة لذلك سماه الحق تبارك وتعالى هنا: ﴿ بالعدوة القصوى ﴾ أي في المكان البعيد عن مكة، ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ والركب هو العير أي الجمال التي تحمل التجارة، وكان المسلمون قد خرجوا ليأخذوها. ولما عرف أبو سفيان بذلك غير سير القافلة واتجه إلى ساحل البحر، ويتكلم الحق سبحانه وتعالى عن سلوك أبي سفيان حينما أمر أن تسير القوافل بجانب ساحل البحر. وساحل البحر - كما هو معلوم - يكون دائما أسفل من أي أرض يابسة. ويتخذ سطح البحر إلى الآن مقياسا للارتفاعات والانخفاضات بالنسبة للمقاييس البشرية، فيقال: هذا ارتفاعه مائة متر أو مائتا متر أو أكثر أو أقل بالنسبة لمستوى سطح البحر. وساحل البحر بالنسبة لسطح البحر متساو، أما الأرض والجبال والوديان فهي تختلف في العلو والانخفاض فلا تصلح مقياسا للارتفاعات والانخفاضات، بينما سطح البحر مستطرق استطراقا سليما، بحيث لا توجد في سطح الماء بقعة عالية وأخرى منخفضة. وهكذا يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن أسفل ما في الأرض هو ساحل البحر وقد اتخذ الناس سطح البحر مقياسا للارتفاعات. ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا.. ﴾ [الأنفال: 42]. أي لو أن المؤمنين اتفقوا مع الكفار على موعد ومكان، لجاء بعضهم متأخرا عن الموعد أو منحرفا عن المكان، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي حدد موعد المعركة ومكانها بدقة تامة فتم اللقاء في الموعد والمكان المحددين ليتم الأمر كما قدره الله سبحانه وتعالى، والأمر هو معركة بدر، وليلقى المؤمنون الكافرين، لينتصروا عليهم. ﴿ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.. ﴾ [الأنفال: 42]. وهل يعني قول الحق ﴿ ليهلك من هلك ﴾ أن الهلاك هنا هو الموت؟ لقد مات أيضا بعض المؤمنين واستشهدوا.
وقول الحق: ﴿ ويحيى من حي ﴾ وهل الحياة هنا تعني مجرد البقاء على قيد الدنيا؟. لقد عاش أيضا من الكفار كثير رغم أنهم خاضوا معركة بدر. إذن فليس معنى الهلاك هنا الموت، وليس معنى الحياة النجاة، ولكن قول الحق: ﴿ ليهلك من هلك عن بينة ﴾ تنطبق على الكفار سواء الذين ماتوا أو الذين نجوا لأن الهلاك هنا هلاك معنوي، فمن قتل من الكفارهلك. ومن نجا هلك أيضا لأنه بقتاله المؤمنين قد أورد نفسه مورد التهلكة بالعذاب الذي ينتظره في الآخرة، إلا إذا أدركته رحمة الله وآمن قبل أن يأتي أجله. والذين حيوا هم المؤمنون، والمراد - إذن - ليكفر من كفر، ويؤمن من آمن عن يقين. ولقد قلنا من قبل: إن الحق سبحانه وتعالى أطلق الحياة على معان متعددة، فهناك الحياة التي فيها الحركة والحس، وهذه تتحقق ساعة أن تدخل الروح الجسد ليكون للإنسان حياة. وهذه الحياة هي للمؤمن والكافر. ولكن الحياة بهذا الشكل حياة منتهية إلى موت غير موقوت ننتظره في أي لحظة. ولكن الحياة المطلوبة لله هي الحياة التي لا يأتي فيه موت. ولا يكون فيها تعب وشقاء، تلك هي الحياة الآخرة، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: