تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.21-23

أصل الذوق: ادراك الطعم بالفم، ومعنى " اذقنا الناس رحمة ": اعطيناهم صحة ومالا ونعمة. المراد بمكر الله: تدبيره الخفي. الفلك: السفن يطلق على الجمع والواحد. بريح طيبة: موافقة، مريحة سهلة، ريح عاصف: شديدة مهلكة. احيط بهم: هلكوا.

بعد ان ينتهي الكتاب من عرض ما يقول المشركون وما يعترضون به ويطلبون، يعود الى الحديث عن بعض طبائع البشر، حين يذوقون الرحمة والنعم بعد الضر، كما تحدث من قبل عنهم حين يصيبهم الضر ثم ينجون منه. ويضرب لهم مثلا مما يقع في الحياة بصدق ذلك.

﴿ وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ﴾.

عجيب أمر هذا الانسان لا يذكر الله إلا ساعة العسرة، فاذا أنعمنا على الناس من بعد شدة أصابتهم في أنفسهم او أهليهم وأموالهم، لم يشكروا الله على ما أنعم به، بل تجدهم يقابلون ذلك بالإصرار على التكذيب والكفر بالآيات.

﴿ قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾.

قل لهم أيها الرسول: إن الله أقدر على التدبير وإبطال ما يمكرون، وأن الحفظة من الملائكة الموكلين بكم يكتبون اعمالكم سيحاسبكم الله عليها ويجازيكم بها.

قراءات:

قرأ يعقوب: " ما يمكرون " بالياء، وبالباقون " ما تمكرون " بالتاء.

ثم ضرب الله مثلا من أبلغ أمثال القرآن الكريم في صورة حية كأنها واقعة يشاهدها الناس، وتتبعها المشاعر ليظهر لهم بهذا المثل ما هم عليه فقال:

﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ﴾.

ان الله الذي تكفرون بنعمه وتكذبون بآياته، هو الذي وهبكم القدرة على السير والسعي في البر مشاة وركبانا، وفي البحر بما سخر لكم من السفن التي تجري على الماء والطائرات التي تسير في الهواء. حتى إذا كنتم في الفلك التي سخرها لكم، وجرت بكم تدفعها ريح طيبة اطمأنتم اليها وفرحتم بها - هبت ريح شديدة أثرات عليكم الموج من كل جانب، وأيقنتم أن الهلاك واقع لا محالة، ولا تجدون ملجأ غير الله. عند ذلك تدعونه مخلصين له الدعاء موقنين أنه لا منقذ لكم سواه، ومتعهدين بأن تكونوا من الشاكرين إن انجاكم من هذه الشدة.

﴿ فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ﴾.

هذه تكملة للصورة. فلما أنجاهم الله مما تعرضوا له من الشدة والهلاك، نقضوا عهدهم، وعادوا بيغون في الأرض ويفسدون بغير الحق.

قراءات:

قرأ ابن عامر.

" ينشركم " بالنون والشين. والباقون " يسيركم " بالياء والسين والياء المشددة.

وبعد ان حكى المثل في ذلك المشهد الرهيب خاطب البغاة في اي مكان كانوا وفي اي زمان وجدوا فقال:

﴿ يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾.

أيها الناقضون للعهد، ان عاقبة بغيكم وظلمكم سترجع عليكم وحدكم، أما ما تحصلون عليه من ظلمكم هذا فهو مجرد متاع دنيوي زائل، ينقضي بسرعة، ثم تعودون الى الله فيجزيكم بأعمالكم التي اقترفتموها.

والحق، أن البغي، وهو أشد أنواع الظلم، يرجع على صاحبه، لما يولد من العداوة والبغضاء بين الأفراد،ولما يوقد من نيران الفتن في الشعوب.

روى الامام احمد والبخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ثلاث هن رواجع على أهلها: المكر، والنكث، والبغيثم تلا: ﴿ يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ﴾. "

ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله

[فاطر: 43]

فمن نكث فإنما ينكث على نفسه

[الفتح: 11].

تيسير التفسير · الصفحة ٤٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تيسير التفسيرص ٤٦٩