ليس في دار النعيم هموم ولا شواغل، فهم يتلذذون بالدعاء الى الله وتسبيحه، وتنزيهه عما كان يقوله الكافرون في الدنيا، ونياجونه بقولهم: سبحانك اللهم، ويحيي بعضم بعضا بالسلام، فهي تحية المؤمنين.
وآخر كل دعاء يناجون به ربهم، ومطلب يطلبونه من احسانه وكرمه قولهم: " الحمد لله رب العالمين " على توفيقه إياهم بالايمان وفوزهم برضوانه عليهم.
10.11-14
الطغيان: مجاوزة الحد في الشر: يعمهون: يترددون في حيرتهم وضلالهم. القرون: جمع قرن ويطلق على كل مائة سنة، وفي كتب اللغة اختلاف كبير في تحديده. خلائف: جمع خليفة وهو من يخلف غيره.
﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ﴾.
لو أجاب الله ما يستعجل به الناس على أنفسهم من الشر مثل استعجالهم لطلب الخير لأهلكهم جميعا، ولكنه يتلطف بهم، فيرجئ هلاكهم، انتظارا لما يظهر منهم حسب ما علمه فيهم، فتتضح عدالته في جزائهم.
وفي هذه الآية جواب لمشركي مكة الذين قالوا: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا في ادعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء.
لقد استعجلوا وقوع الشر، كما يستعجلون الخير، ولكن الله أخرهم الى ما أراده.
﴿ فنذر الذين لا يرجون لقآءنا في طغيانهم يعمهون ﴾.
إننا ندع لا يتوقعون لقاءنا فيما هم فيه من طغيان في الكفر والتكذيب، يترددون فيه متحيرين لا يهتدون سبيلا للخروج منه.
قراءات:
قرأ ابن عامر ويعقوب: " لقضى اليهم أجلهم " بفتح القاف والباقون " لقضي اليهم أجلهم " بضم القاف.
﴿ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما ﴾.
واذا أصاب الانسان ضرر في نفسه او ماله او نحو ذلك أحس بضعفه، ودعا ربه على أي حال من أحواله: مضجعا لجنبه، او هو قاعد، أو قائم على قدميه، حائرا في أمره - دعاه ان يكشف ما نزل به من محنته.
﴿ فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه ﴾.
فلما استجاب الله له، فكشف عنه ضره وأزال عنه السوء، انصرف عن جانب الله، مضى في طريقه واستمر على عصيانه ونسي فضل الله عليه، كأن لم يصبه ضرر، ولم يدع الله ليكشفه عنه.
﴿ كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾.
وكمثل هذا المسلك زين الشيطان للمشركين من طغاة مكة وغيرهم ما كانوا يعملون من سوء وكفر وعناد، وما اقترفوه من باطل.
﴿ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجآءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ﴾.
بين هنا ما يجري مجرى التهديد، وهو أنه تعالى ينزل بهم عذاب الاستئصال كما حدث للأمم الغابرة قبلهم حتى يكون ذلك رادعا لهم عن هذا الطلب. ولقد أهلكنا كثيرا من الأمم السابقة قبلكم بسبب كفرهم حين جاءتهم رسلهم بالآيات الواضحة على صدق دعوتهم الى الإيمان، وما كان في علم الله أنهم سيؤمنون، لإصرارهم على الكفر والعصيان. فاعتبروا يا كفار قريش، فكما اهلكنا من قبلكم، سنجزي المجرمين بإهلاكهم.
﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ﴾.
ثم جعلناكم يا امة محمد خلفاء الأرض، تعمرونها من بعد هؤلاء السابقين، لنختبركم ونرى ماذا تعملون في خلافتكم فنجازيكم به بمقتضى سنتنا فيمن قبلكم. وهذا واضح في ان هذه الخلافة منوطة بالأعمال الصالحة والاستقامة والعدل والاحسان، حتى لا يغتر إنسان بما سيناله من ملك او ولاية. وهذا كما قال تعالى:
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم
[النور: 55].