53.31
﴿ ولله ما في السموت وما في الأرض ﴾ تنبيه على سعة ملكه، وعظمة قدرته، وأن ما فيهما من قبضته، فلا يعجزه جزاء هؤلاء الفجرة، كما قال: ﴿ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ أي: بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة.
ثم بين صفات هؤلاء المحسنين، بقوله سبحانه:
﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش... ﴾.
53.32
﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم ﴾ يعني: ما كبر الوعيد عليه من المناهي ﴿ والفواحش ﴾ يعني ما فحش منها. والعطف إما من عطف أحد المترادفين أو الخاص على العام ﴿ إلا اللمم ﴾ أي: الصغائر من الذنوب. ومثله أبو هريرة بالقبلة والغمزة والنظرة - فيما رواه ابن جرير - وأصل معناه: ما قل قدره. ومنه: لمة الشعر، لأنها دون الوفرة. وقيل: معناه الدنو من الشيء دون ارتكاب له. والاستثناء منقطع على ما ذكر. أي: إلا اللمم بما دون الكبائر والفواحش، فإنه عفو. وقيل: متصل، والمراد مطلق الذنوب. وقيل: إنه لا استثناء فيه أصلا. و(إلا) صفة بمعنى غير - وتفصيله في (العناية).
وحكى ابن جرير عن ابن عباس وغيره، أن معنى ﴿ اللمم ﴾ ما قد سلف لهم مما ألموا به من الفواحش والكبائر في الجاهلية قبل الإسلام، وغفرها لهم حين أسلموا.
وعن ابن عباس أيضا قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب ولا يعود. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما ".
وقال الحسن: ﴿ اللمم ﴾ أن يقع الوقعة ثم ينتهي. وكل هذا مما يتناوله اللفظ الكريم والأقوى في معناه هو الأول، ولذا استدل بالآية على تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، كما قال تعالى:
إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئتكم
[النساء: 31].
﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ قال ابن جرير: أي: واسع عفوه للمذنبين الذين لم تبلغ ذنوبهم الفواحش وكبائر الإثم ﴿ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ﴾ قال ابن جرير: أي: أحدثكم منها بخلق أبيكم آدم منها ﴿ وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ﴾ أي: حيثما يصوركم في الأرحام ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ أي: تشهدوا لها بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي، والمراد به الثناء تمدحا أو رياء ﴿ هو أعلم بمن اتقى ﴾ أي: بمن اتقاه فعمل بطاعته، واجتنب معاصيه وأصلح، وهذا كقوله تعالى:
ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشآء ولا يظلمون فتيلا
[النساء: 49].
وفي الصحيحين عن أبي بكرة قال:
" مدح رجل رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويلك! قطعت عنق صاحبك (مرارا) إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسب فلانا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا، أحسبه: كذا وكذا إن كان يعلم ذلك ".