تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53.13-18

﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ أي: مرة أخرى من النزول، وتأكيد الخبر عن الرؤية الثانية هذه، لنفي الريبة والشك عنها أيضا، وأنه لم يكن فيها التباس واشتباه. ﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ أي: موضع الانتهاء، ف ﴿ المنتهى ﴾: اسم مكان، أو مصدر ميمي. وقد جاء في الصحيح أنها

" شجرة نبق في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج به من أمر الله من الأرض، فيقبض منها، وما يهبط به من فوقها، فيقبض منها ".

قال القاضي: ولعلها شبهت بالسدرة، وهي شجرة النبق؛ لأنهم يجتمعون في ظلها، يعني أن شجر النبق يجتمع الناس في ظله، وهذه يجتمع عندها الملائكة، فشبهت بها، وسميت ﴿ سدرة ﴾ لذلك. فإطلاقها عليها بطريق الاستعارة، لكن ورد في الحديث

" أن كل نبقة فيها كقلة من قلال هجر "

، فهي على هذا حقيقية، وهو الأظهر - قاله الشهاب.

﴿ عندها جنة المأوى ﴾ أي: التي يأوي إليها أرواح المقربين. ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ قال القاشاني: أي: من جلال الله وعظمته. معناه: أنه رأى جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى حينما كانت الأرواح والملائكة تغشاها، وتهبط عليها، وتحف من حولها. ﴿ ما زاغ البصر ﴾ أي: ما مال بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عما رآه. ﴿ وما طغى ﴾ أي: ما تجاوز مرئية المقصود له، بل أثبت ما رآه إثباتا مستيقنا صحيحا لا شبهة فيه. وفيه وصف لأدبه صلى الله عليه وسلم وتمكنه، إذ لم يتجاوز ما أمر برؤيته. ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ يعني: الملك الذي عاينه وأخبره برسالته. وفيه غاية التفخيم لمقامه، وأنه من الآيات الكبر.

قال الناصر: ويحتمل أن تكون ﴿ الكبرى ﴾ صفة لآيات، ويكون المرئي محذوفا لتفخيم الأمر وتعظيمه، كأنه قال: ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ أمورا عظاما لا يحيط بها الوصف. والحذف في مثل هذا أبلغ وأهول.

تنبيهات

الأول: قدمنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ فاستوى * وهو بالأفق الأعلى ﴾ ما قاله المفسرون من الأقوال العديدة، ولا يخفى ما في بعضها من التكلف والتعسف، كتوجيه ابن جرير والرازي ومن وافقهما، وبعض أقوال حكاها القرطبي. والأقرب في معنى الآية ما ذكره الإمام ابن كثير، كما نقلناه عنه، لكثرة الأحاديث الواردة فيما يفسرها بذلك، ونحن نقول في تأييده إن القرآن يفسر بعضه بعضا، لتشابه آياته الكريمة وتماثلها. والآية هذه مشابهة لما في سورة التكوير تمام المشابهة، فقد قال تعالى ثمة:

إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين

[التكوير: 19-23]، فترى هذه الآيات مشابهة للآيات هنا، وإن كان فيما هنا زيادة رؤية، وبيان دنو واقتراب لم يذكر في (التكوير).

وسر الزيادة هو ارتقاء النبي صلى الله عليه وسلم في معارج الكمالات وقتا فوقتا. وسورة النجم مما نزل بعد التكوير، كما حكاه في (الإتقان) عن ابن عباس وغير واحد من السلف، فلذلك كان في (النجم) زيادة هذا التكريم والتفضيل. وحاصل المعنى: أن ما ينطق به من هذا القرآن ليس عن هواه، وإنما هو وحي علمه إياه ملك كريم، جم المناقب، لأنه شديد القوى، ذو مرة، رفيع المكانة بالأفق الأعلى. ثم لما شاء تعالى إنزال وحيه على نبيه تنزل من الأفق، ودنا إليه، وكان في غاية القرب منه، والتمكن من رؤيته، وتلقي الوحي عنه، وذلك كله حق وصدق لا مرية فيه. وكيف يماري من يرى ببصره ما يصدقه فؤاده فيه ولا يكذبه، لا سيما ولم تكن رؤياه له مرة واحدة، بل رآه نزلة ثانية، نزل إليه بالوحي في مكان معين لا يشتبه على رائيه، وهو سدرة المنتهى. وبالجملة، فتوافق هذه الآيات لآيات (التكوير) وتفسير بعضها بعضا، أمر لا خفاء به عند المتدبر، وكله رد على المشركين المفترين، وإقسام على حقيقة الوحي والتنزيل، وصدق ما يخبر به، لا سيما وهو صادق عندهم لا يكذبونه. فما بقي بعد التعنت والجحد إلا انتظار سنة الله في أمثالهم من الأمم الكافرة الجاحدة، كما أشار له في آخر السورة.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٧٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٧٢٩