53.5
﴿ علمه شديد القوى ﴾ أي: علم محمدا صلى الله عليه وسلم ملك شديد قواه، يعني: جبريل عليه السلام. كما قال:
إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين
[التكوير: 19-20]، و ﴿ القوى ﴾ جمع قوة، بضم القاف. ومن العرب من يكسرها كالرشا بكسر الراء في جمع رشوة بضمها، والحبا في جمع حبوة، نقله ابن جرير.
53.6-7
﴿ ذو مرة ﴾ بكسر الميم، أي: متانة وإحكام في علمه، لا يمكن تغيره ونسيانه. والعرب تقول لكل قوي العقل والرأي: ﴿ ذو مرة ﴾ (من أمررت) الحبل، إذا أحكمت فتله. ﴿ فاستوى * وهو بالأفق الأعلى ﴾ قال الزمخشري: فاستقام على صورة نفسه الحقيقة، دون الصورة التي كان يتمثل بها، كلما هبط بالوحي. وكان ينزل في صورة دحية.
فالفاء - كما قال شراحه - سببية، لأن تشكله يتسبب عن قوته وقدرته على الخوارق أو عاطفة على ﴿ علمه ﴾ أي: علمه على غير صورته الأصلية، ثم استوى على صورته الأصلية.
وقيل: (استوى) بمعنى (استولى) بقوته على ما أمر بمباشرته من الأمر، حكاه القاضي.
قال الشهاب: الأفق: الناحية، وجمعه آفاق. والمراد الجهة العليا من السماء المقابلة للناظر، لا مصطلح أهل الهيئة. انتهى.
قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿ فاستوى ﴾ يعني: جبريل عليه السلام - قاله الحسن ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس ﴿ وهو بالأفق الأعلى ﴾ يعني: جبريل استوى في الأفق الأعلى، قاله عكرمة وغير واحد.
قال ابن كثير: وقد قال ابن جرير ههنا قولا لم أره لغيره، ولا حكاه هو عن أحد، وحاصله أنه ذهب إلى أن المعنى فاستوى، أي: هذا الشديد القوي وصاحبكم محمد صلى الله عليه وسلم، بالأفق الأعلى، أي: استويا جميعا، وذلك ليلة الإسراء - كذا قال - ولم يوافقه أحد على ذلك، ثم شرع يوجه ما قاله من حيث العربية وهو كقوله:
أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ
[النمل: 67] فعطف بالآباء على المكني في ﴿ كنا ﴾ من غير إظهار (نحن) فكذلك قوله: ﴿ فاستوى وهو ﴾ قال: وذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده:
ألم تر أن النبع يصلب عوده
ولا يستوي والخروع المتقصف
وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك، فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء، بل قبلها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض، فهبط عليه جبريل عليه السلام، وتدلى إليه، فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، يعني ليلة الإسراء، وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة، بعد ما جاءه جبريل عليه السلام أول مرة، فأوحى الله إليه صدر سورة (اقرأ) ثم فترة الوحي فترة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم فيها مرارا ليتردى من رؤوس الجبال، فكلما هم بذلك ناداه جبريل من الهواء: يا محمد، أنت رسول الله حقا، وأنا جبريل، فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه. وكلما طال عليه الأمر، عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، قد سد عظم خلقه الأفق، فاقترب منه، وأوحى إليه عن الله عز وجل ما أمره به، فعرف عند ذلك عظمة الملك الذي جاءه بالرسالة، وجلالة قدره، وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه.
انتهى.
أقول: قد وافق القاشاني ابن جرير في تأويل الآية، وعبارته: ﴿ فاستوى ﴾ فاستقام على صورته الذاتية، والنبي بالأفق الأعلى؛ لأنه حين كون النبي بالأفق المبين لا ينزل على صورته، لاستحالة تشكل الروح المجرد في مقام القلب، إلا بصورة تناسب الصور المتمثلة في مقامه؛ ولهذا كان يتمثل بصورة دحية الكلبي، وكان من أحسن الناس صورة، وأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ لو لم يتمثل بصورة يمكن انطباعها في الصدر، لم يفهم القلب كلامه، ولم ير صورته. وأما صورته الحقيقية التي جبل عليها فلم تظهر للنبي صلى الله عليه وسلم إلا مرتين: عند عروجه إلى الحضرة الأحدية ووصوله بمقام الروح في الترقي، وعند نزوله عنها ورجوعه إلى المقام عند سدرة المنتهى في التدلي. انتهى.