تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما كذب الفؤاد ما رأى

[النجم: 11] ثم قال: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ والظاهر أنه مستنده، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل، رآه مرتين في صورته التي خلق عليها. انتهى.

وقال ابن كثير: أما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" رأيت ربي عز وجل "

فإنه حديث إسناده على شرط الصحيح، لكنه مختصر من حديث المنام، كما رواه الإمام أحمد أيضا عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" أتاني ربي الليلة في أحسن صورة (أحسبه، يعني في النوم) فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا. فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي (أو قال نحري) فعلمت ما في السماوات وما في الأرض. ثم قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال قلت: نعم! يختصمون في الكفارات والدرجات. قال: وما الكفارات؟ قال: قلت: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره! من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير. وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وقال: قل يا محمد إذا صليت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة، أن تقبضني إليك غير مفتون ".

قال:

" والدرجات بذل الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام ".

ثم قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ [النجم: 18] كقوله:

لنريك من آياتنا الكبرى

[طه: 23]، أي: الدالة على قدرتنا وعظمتنا، وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة، أن الرؤية تلك الليلة لم تقع؛ لأنه قال: ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ ولو كان رأى لأخبر بذلك، ولقال ذلك للناس. انتهى.

الثالث: ذهب بعضهم إلى أن هذه السورة أنزلت لإثبات المعراج النبوي، أعني: عروجه صلى الله عليه وسلم، وصعوده وارتقاءه إلى ما فوق السماوات السبع، كما ذكر في أحاديث المعراج عند سدرة المنتهى فوق السماوات، ومشاهدة جبريل على صورته.

قال القليوبي: لما كان الإسراء مقدما في الوجود على المعراج؛ لأنه كالوسيلة والبرهان، إذ يلزم من التصديق بخوارق العادة فيه، التصديق بالمعراج وما فيه. وكان ما في المعراج من الخوارق أعظم وأكثر، صدره الله تعالى بالقسم الدال على تأكيد ثبوته، والرد على منكريه والطاعنين فيه، واستطرد مع ذلك الرد على من نسب إليه صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز عليه، فقال: ﴿ والنجم... ﴾ إلخ انتهى.

ومما قدمنا يظهر أن نزول السورة لتأييد الرسالة النبوية، وتحقيق الوحي، بأنه تعليم ملك كريم، مرئي للحضرة النبوية رؤية تدفع كل لبس، لا لإثبات المعراج.

ثم من الغرائب أيضا هنا، قول بعضهم محاولا إفراد الإسراء عن المعراج، وذكر كل في سورة، ما مثاله إن الإسراء أنزل أولا وحده، حملا للمشركين على تسليم ما وضح صدقه صلى الله عليه وسلم فيه، توصلا للتصديق بما وراءه فإنه صلى الله عليه وسلم أرشد أن يخبر المشركين أولا بالإسراء إلى المسجد الأقصى؛ لأن قريشا تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفون، مع علمهم بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة عليهم. وكذلك وقع، كما ذكر في الروايات. وعلى أثر هذا الإخبار أنزل بيان الإسراء، ثم ألهم صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم بالمعراج إلى ملكوت السماوات، ورؤية جبريل عليه السلام، وأنزل الله تصديقه في سورة النجم. انتهى. فكل هذا مما لا سند له، نعم! روى البيهقي وابن أبي حاتم وابن جرير في حديث مطول؛ أنه صلى الله عليه وسلم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب:

" إني أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بي إلى السماء ورأيت كذا وكذا "

إلا أن يقال: ليس هذا من مرويات الصحيحين، ولا حجة في الأخبار إلا مرويهما. وبالجملة، فالمعول عليه هو أن المعراج لم يرد له ذكر في القرآن مطلقا، وما ورد في هذه السورة وسورة التكوير، فلا علاقة له بالمعراج، وإنما هي رؤية النبي صلوات الله عليه لجبريل من الأرض على صورته الحقيقية كما تقدم. وأما المعراج فإنما كان رؤيا منامية روحانية؛ لصريح حديث البخاري في ذلك من طرقه التي عن أنس ومالك بن أبي صعصعة. قال بعضهم ولذلك لم يذكر في حديث المعراج، بحسب رواية البخاري التي هي أصح الروايات بالإجماع، أن النبي صلى الله عليه وسلم سار أولا إلى بيت المقدس، بل المذكور فيه أنه سار مباشرة من مكة إلى السماء الأولى، وكذلك لم يذكر فيه أن جبريل فارقه، ثم ظهر له عند سدرة المنتهى بصورته الحقيقية، بل المذكور أنه كان مصاحبا له من أول المعراج إلى آخره على صورة واحدة، وذلك يدل على أن ما ذكر في القرآن مما وقع يقظة، هو غير ما ذكر في الحديث، مما وقع مناما في وقت آخر، وإلا لذكرا معا في سياق واحد، إما في القرآن، وإما في أصح الأحاديث، وهو الأمر الذي لم يحصل إلا في بعض روايات لا يعول عليها، وهي من خلط بعض الرواة الحوادث بعضها ببعض. انتهى والله أعلم.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٧٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٧٣١