قال الإمام ابن حزم في (الفصل) في الرد على من جعل للجمادات تمييزا، ما مثاله: وأما عرضه تعالى الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وإباية كل واحد منها، فلسنا نعلم نحن ولا أحد من الناس كيفية ذلك. وهذا نص قوله:
مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم
[الكهف: 51] فمن تكلف أو كلف غيره معرفة ابتداء الخلق، وأن له مبدأ لا يشبهه البتة، فأراد معرفة كيف كان، فقد دخل في قوله تعالى:
وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم
[النور: 15].
إلا أننا نوقن أنه تعالى لم يعرض على السماوات والأرض والجبال الأمانة، إلا وقد جعل فيها تمييزا لما عرض عليها. وقوة تفهم بها الأمانة فيما عرض عليها. فلما أبتها وأشفقت منها، سلبها ذلك التمييز وتلك القوة، وأسقط عنها تكليف الأمانة.
قال: هذا ما يقتضيه كلامه عز وجل، ولا مزيد عندنا على ذلك. انتهى.
وذهب جمع إلى أن ذلك من باب المجاز، كما بينه ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) وسبقه الزمخشري حيث قال: ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب. ما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم. ومن ذلك قوله (لو قيل للشحم أين تذهب، لقال أسوي العوج) وكم وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات. وتصور مقاولة الشحم محال. ولكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه. كما أن العجف مما يقبح حسنه. فصور أثر السمن فيه تصويرا هو أوقع في نفس السامع، وهي به آنس، وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف، وكذلك تصوير عظم الأمانة، وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها. انتهى.
الثالثة: قال الرازي: إن قال قائل: لم قدم التعذيب على التوبة - في آخر الآية؟ نقول: لما سمى التكليف أمانة، والأمانة من حكمها اللازم أن الخائن يضمن، وليس من حكمها اللازم أن الأمين الباذل جهده يستفيد أجرة، فكان التعذيب على الخيانة كاللازم، والأجر على الحفظ إحسان، والعدل قبل الإحسان.
الرابعة: ورد في تعظيم الأمانة عدة أحاديث. منها عن أبي هريرة مرفوعا:
" أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك "
رواه أبو داود والترمذي. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا:
" أربع، إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة "
رواه الإمام أحمد والطبراني. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمن سأل عن الساعة:
" إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ يا رسول الله! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة ".
الخامسة: قال ابن كثير: روى عبد الله بن المبارك في كتاب (الزهد) أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع عن بريدة:
" من حلف بالأمانة فليس منا "
، تفرد به أبو داود. أي: لأن الحلف لا يكون إلا باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته. وأما بغير ذلك فمكروه أو حرام. كما تقرر في موضعه والله أعلم.
السادسة: سبق لي أن كتبت في الآية شيئا. في منتصف ربيع الأول سنة 1324ه، في قرية ضمت حفلة من أهل العلم. فسأل بعض الناس عن تفسير الآية. ولم يكن ثمة تفسير فاستعنت بالله تعالى، وقرأت السورة من أولها إلى آخرها مرات ثم كتبت ما تراه.
أردت إثباته هنا تعزيزا للمقام، ونصه: في ختم السورة بهذه الآية من البدائع ما يسميه علماء البديع (رد العجز على الصدر) ذلك أن طليعة هذه السورة كانت في ذم المنافقين وقص مخازيهم ونواياهم السيئة ضد الرسول وأصحابه في غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق. أبان الحق تعالى أثر ما ذكر من الأمر بالتقوى وعدم إطاعة المنافقين، وما كانوا يخوضون فيه من قصة التبني ونحوها، أنهم كانوا أعطوا العهود والمواثيق أنهم إن قاتلوا لا يفروا، وذلك في قوله تعالى: