تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثالث: اتخذ العامة، وكثير من المتعالمين، وصف الوجاهة للأنبياء، ذريعة للطلب والرغبة منهم، مما لا ينطبق على عقل ولا نقل، ولا يصدق على المعنى اللغوي بوجه ما.

وقد كتب في ذلك الإمام الشيخ محمد عبده فتيا، أبان وجه الصواب فيما تشابه من هذه المسألة. وذلك أنه سئل، رحمه الله، عمن يتوسل بالأنبياء والأولياء، معتقدا أن النبي أو الولي يستميل إرادة الله تعالى عما هي عليه، كما هو المعروف للناس من معنى الشفاعة والجاه عند الحاكم. وأن التوسل بهم إلى الله تعالى كالتوسل بأكابر الناس إلى الحكام.

فقال امرؤ: إن هذه مخل بالعقيدة وإن قياس التوسل إلى الله تعالى على التوسل بالحكام محال. وإن عقيدة التوحيد أن لا فاعل ولا نافع ولا ضار إلا الله تعالى. وإنه لا يدعى معه أحد سواه. كما قال تعالى:

فلا تدعوا مع الله أحدا

[الجن: 18] وإن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان أعظم. منزلة عند الله تعالى من جميع البشر، وأعظم الناس جاها ومحبة، وأقربهم إليه، ليس له من الأمر شيء، ولا يملك للناس ضرا ولا نفعا ولا رشدا ولا غيره. كما في نص القرآن. وإنما هو مبلغ عن الله تعالى. ولا يتوسل إليه تعالى إلا بالعمل بما جاء على لسانه صلى الله عليه وسلم، واتباع ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون من هديه وسنته. وإنه لا سبب لجلب المنافع ودفع المضار إلا ما هدى الله الناس إليه. ولا معنى للتوسل بنبي أو ولي إلا باتباعه والاقتداء به.

يرشدنا إلى هذا كثير من الآيات الواردة في القرآن العظيم، كقوله تعالى:

قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله

[آل عمران: 31]

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه

[الأنعام: 153] إلى غير ذلك من الآيات. هذا هو اعتقادي وهو الذي قلته للناس. فإن كنتم ترون فيه خطبأ فأرجو بيانه. وإن كان هو الصواب فأرجو إقراري عليه كتابة، لأدافع بذلك من أساء بي الظن.

فأجاب رحمه الله، بعد البسملة والحوقلة: اعتقادك هذا هو الاعتقاد الصحيح. ولا يشوبه شوب من الخطأ. وهو ما يجب على كل مسلم يؤمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أن يعتقده. فإن الأساس الذي ينبت عليه رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو هذا المعنى من التوحيد. كما قال تعالى:

قل هو الله أحد * الله الصمد

[الإخلاص: 1-2] و: (الصمد) هو الذي يقصد في الحاجات، ويتوجه إليه المربون في معونتهم على ما يطلبون، وإمدادهم بالقوة فيما تضعف عنه قواهم. والإتيان بالخبر على هذه الصورة يفيد الحصر. كما هو معروف عند أهل اللغة. فلا صمد إلا هو. وقد أرشدنا إلى وجوب القصد إليه وحده بأصرح عبارة في قوله:

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان

[البقرة: 186] وقد قال الشيخ محيي الدين بن العربي، شيخ الصوفية، في صفحة 226 من الجزء الرابع من (فتوحاته) عند الكلام على هذه الآية: إن الله تعالى لم يترك لعبده حجة عليه. بل لله الحجة البالغة. فلا يتوسل إليه بغيره. فإن التوسل إنما هو طلب القرب منه. وقد أخبرنا الله أنه قريب. وخبره صدق. انتهى ملخصا.

على أن الذين يزعمون جواز شيء مما عليه العامة اليوم في هذا الشأن، إنما يتكلمون فيه بالمبهمات، ويسلكون طرقا من التأويل لا تنطبق على ما في نفوس الناس. ويفسرون الجاه والواسطة بما لا أثر له في مخيلات المعتقدين. فأي حالة تدعوهم إلى ذلك؟ وبين أيديهم القرون الثلاثة الأولى، ولم يكن فيها شيء من هذا التوسل ولا ما يشبهه بوجه من الوجوه، وكتب السنة والسير بين أيدينا شاهدة بذلك، فكل ما حدث بعد ذلك فأقل أوصافه أنه (بدعة) في الدين وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وأسوأ البدع ما كان فيه شبهة الإشراك بالله تعالى وسوء الظن به. كهذه البدع التي نحن بصدد الكلام فيها، وكأن هؤلاء الزاعمين يظنون أن في ذلك تعظيما لقدر النبي صلى الله عليه وسلم، أو الأنبياء أو الأولياء. مع أن أفضل التعظيم للأنبياء هو الوقوف عندما جاءوا به، واتقاء الزيادة عليهم فيما شرعوه بإذن ربهم. وتعظيم الأولياء يكون باختيار ما اختاروه لأنفسهم. وظن هؤلاء الزاعمين أن الأنبياء والأولياء يفرحون بإطرائهم وتنظيم المدائح وعزوها إليهم، وتفخيم الألفاظ عند ذكرهم، واختراع شئون لهم مع الله، لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا رضيها السلف الصالح.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٣٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٣٦٤