تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام "

تفرد به أبو داود وصححه النووي في (الأذكار). وعن الحسن بن الحسن بن علي؛ أنه رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم. فإن صلاتكم تبلغني ".

قال ابن كثير: فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم فوق الحاجة، فنهاهم. وقد روي أنه رأى رجلا ينتاب القبر. فقال: يا هذا! ما أنت ورجل بالأندلس، ومنه إلا سواء. أي: الجميع يبلغه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. وقد استحب أهل الكتاب أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما كتبه. وقد روي في حديث

" من صلى علي في كتاب لم تزل الصلاة جارية له، ما دام اسمي في ذلك الكتاب ".

قال الحافظ ابن كثير: وليس هذا الحديث بصحيح. بل عده الحافظ الذهبي موضوعا. وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه رأى بخط الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كثيرا اسم النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابة. قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظا.

الثاني: الصلاة على غير الأنبياء، إن كانت على سبيل التبعية، كنحو: اللهم صل على محمد وآله وأزواجه، فهذا جائز إجماعا، وأما استقلالا فجوزه قوم لآية:

هو الذي يصلي عليكم وملائكته

[الأحزاب: 43] وآية

أولئك عليهم صلوات من ربهم

[البقرة: 157] وآية

خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم

[التوبة: 103] ولحديث

" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: " اللهم! صل عليهم ". فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: " اللهم! صل على آل أبي أوفى "

وكرهه قوم، لكون صيغة الصلاة صارت شعارا للأنبياء إذا ذكروا. فلا يلحق بهم غيرهم. فلا يقال: قال عمر صلى الله عليه. كما لا يقال: قال محمد عز وجل. وإن كان عزيزا جليلا. لكون هذا من شعار ذكر الله عز وجل. وحملوا ما ورد من ذلك في الكتاب والسنة على الدعاء لهم.

وقال ابن حجر: إن ذلك وقع من الشارع. ولصاحب الحق أن يتفضل من حقه بما شاء وليس لغيره أن يتصرف إلا بإذنه. ولم يثبت عنه إذن في ذلك. انتهى.

وقد يقال: كفى في المروي المأثور المتقدم إذنا.

والاستدلال بأن ذلك من حقه فيه مصادرة على المطلوب. على أن المرجح أن الأصل الإباحة حتى يرد الحظر. ولا حظر هنا. فتدبر.

وأما السلام، فقال الجويني: هو في معنى الصلاة. فلا يستعمل في الغائب. ولا يفرد به غير الأنبياء. فلا يقال: علي عليه السلام. وسواء في هذا الأحياء والأموات. وأما الحاضر فيخاطب به. فيقال: سلام عليك، وسلام عليكم. أو السلام عليك أو عليكم. وقد غلب - كما قال ابن كثير - على كثير من النساخ للكتب، أن يفرد علي رضي الله عنه بأن يقال: (عليه السلام) من دون سائر الصحابة.

قال: والتسوية بينهم في ذلك أولى. انتهى.

والخطب سهل. ومن رأى المروي في هذا الباب، علم أن الأمر أوسع من أن يحرج فيه. على أن هذه المسألة من فروع تخصيص العرف، وفيه بحث في الأصول.

الثالث: قال النووي: إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فليجمع بين الصلاة والتسليم. فلا يقتصر على أحدهما. فلا يقول: (صلى الله عليه) فقط، ولا (عليه السلام) فقط.

قال ابن كثير: وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴾ فالأولى أن يقال صلى الله عليه وسلم تسليما. انتهى.

الرابع: قال الرازي: إذا صلى الله وملائكته عليه، فأي حاجة إلى صلاتنا؟ نقول: الصلاة عليه ليس لحاجته إليها، وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله عليه. وإنما هو لإظهار تعظيمه. كما أن الله تعالى أوجب علينا ذكر نفسه، ولا حاجة له إليه، وإنما هو لإظهار تعظيمه منا، رحمة بنا، ليثيبنا عليه. ولهذا جاء في الحديث

محاسن التأويل · الصفحة ٢٣٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٣٥٦