24.11
قوله عز وجل: ﴿ إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ﴾ يعني: قالوا بالكذب وقال الأخفش الإفك أسوأ الكذب وهذه الآية نزلت ببراءة عائشة رضي الله عنها قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أخبرني الثقة بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يخرج في سفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه قالت فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك بعد ما نزلت آية الحجاب وكان ذلك في غزوة بني المصطلق قالت: فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه في مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته وقفل ودنونا من المدينة أذن ليلة بالرحيل فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني فحملوا هودجي ورحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهن ولم يفشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب قالت: فجلست مكاني فظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينما أنا جالسة في منزلي إذ غلبني النوم فنمت وقد كان صفوان بن المعطل السلمي يمكث في المعسكر إذا ارتحل الناس يتبع ما يقع من الناس من أمتعتهم فيحمله إلى المنزل الآخر فيعرفه فتجيء الناس ويأخذون أمتعتهم وكان لا يكاد يذهب من العسكر شيء فأصبح صفوان عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وقد كان يراني قبل أن يضرب على الحجاب فاسترجع فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي فوالله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فركبتها فانطلق بي يقود بي الراحلة قالت: وكان عبد الله بن أبي إذا نزل في العسكر نزل في أقصى العسكر فيجتمع إليه ناس فيحدثهم ويتحدثون قالت: وكان معه في مجلسه يومئذ حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة فافتقد الناس عائشة حين نزلوا صحوة وهاج الناس في ذكرها أن عائشة قد فقدت (ودخل علي بن أبي طالب على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أن عائشة قد فقدت) فبينما الناس كذلك إذ دنا صفوان بن المعطل فتكلم عبد الله بن أبي بما تكلم وحسان بن ثابت وسائرهم وأفشوه في العسكر وخاض أهل العسكر فيه فجعل يرويه بعضهم من بعض ويحدث بعضهم بعضا قالت: وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل ويسلم ثم يقول
" كيف تيكم "
فذلك يريبني ولا أشعر بالسر فلما رأيت ذلك قلت يا رسول الله لو أذنت لي فانقلبت إلى أبوي يمرضاني قال:
" لا بأس عليك "
وإنما قلت ذلك لما رأيت من جفائه قالت: فانقلبت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان حتى قمت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة قالت: وكانوا لا يتخذون الكنف في بيوتهم إنما كانوا يذهبون في فسح المدينة قالت: فخرجت في بعض الليل ومعي أم مسطح حتى فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما صنعت تسبين رجلا وقد شهد بدرا فقالت: أولم تسمعي ما قال: قلت: وماذا قال قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي وأخذتني الحمى مكاني فرجعت أبكي ثم قلت لأمي: يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي منه شيئا فقالت: هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط رضية عند رجل يحبها ولها ضرائر لأكثرت عليها قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقا لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حيت استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله فأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك والنساء كثير فاستبدل وأما أسامة بن زيد فأشار عليه بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه من الود فقال: يا رسول الله ما علمت منها إلا خيرا فلا تعجل وانظر واسأل أهلك قال: فسأل حفصة بنت عمر عنها فقالت: يا رسول الله ما رأيت عليها سوءا قط وسأل زينب بنت جحش فقالت: مثل ذلك وسأل بريرة فقال: