" أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة "
قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله قالت: فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخل علي وعندي أبواي فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال:
" يا عائشة لقد بلغك ما يقول الناس فإن كان ما يكون منك زلة ما يكون من الناس فتوبي إلى الله تعالى فإن الله يقبل التوبة عن عباده فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه "
فانتظرت أبواي أن يجيبا عني فلم يفعلا فقلت: يا أبت أجبه فقال ماذا أقول فقلت: يا أماه أجيبيه فقالت: ماذا أقول ثم استعبرت فبكيت فقلت: لا والله لا أتوب مما ذكروني به وإني لأعلم أنني لو أقررت بما يقول الناس لقلت وأنا منه بريئة ولا أقول فيما لم يكن حقا ولئن أنكرت فلا تصدقني قالت: ثم أنسيت اسم يعقوب فلم أذكره فقلت ولكني أقول كما قال العبد الصالح أبو يوسف
فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون
[يوسف: 18] قالت: فوالله ما برح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تغشاه من الله ما كان يغشاه قالت: أنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله عز وجل يبرئني ولكني والله ما كنت أظن أن ينزل الله في شأني وحيا يتلى ولساني كان أحقر من أن يتكلم الله في بقرآن يقرأ به في المساجد ولكنني كنت أرجو أن يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه شيئا ببراءتي فلما سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك كان أول كلمة تكلم بها أن قال:
" يا عائشة أبشري أما والله فقد برأك الله تعالى "
فقالت لي أمي: قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله تعالى هو الذي أنزل براءتي وفي رواية قالت: أحمد الله تعالى وأذمكم قالت: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال:
" يا أيها الناس من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي برجل ما رأيت عليه سوءا قط ولا دخل على أهلي إلا وأنا معه "
فقام سعد بن معاذ فقال أخبرنا يا رسول الله من هو فإن يكن من الأوس نقتله وإن يكن من الخزرج نرى فيه رأيا أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن حملته الحمية فقال: كلا ولكنها عداوتك للخزرج قال فاستبا فقام أسيد بن حضير الأوسي وقال: يا سعد بن عبادة أتقول هذا كلا والله ولكنك منافق تحب المنافقين فاستب حي هذا وحي هذا فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللغط نزل وتركهم وقد تلى عليهم ما أنزل الله عليه في أمر عائشة رضي الله عنها ﴿ إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ﴾ يعني: جماعة منكم وهو ما قال عبد الله بن أبي وأصحابه ما برئت عائشة من صفوان وما برىء عنها صفوان والعصبة عشرة فما فوقها كما قال الكلبي ﴿ لا تحسبوه شرا لكم ﴾ يعني: عائشة ومن كان ينسبها والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ﴿ بل هو خير لكم ﴾ لأنه لو لم يكن قولهم لم يظهر فضل عائشة رضي الله عنها وإنما ظهر فضل عائشة بما صبرت على المحنة فنزل بسببها سبع عشرة آية من القرآن من قوله ﴿ إن الذين جاءوا بالإفك ﴾ إلى قوله: ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ ووجه آخر بل هو خير لكم لأنه يؤخذ من حسناته ويوضع في ميزانه يعني: عائشة وصفوان وهذا خير له ثم قال: ﴿ لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم ﴾ يعني: لكل واحد منهم العقوبة بمقدار ما شرع في ذلك الأمر لأن بعضهم قد تكلم بذلك وبعضهم ضحك وبعضهم سكت فكل واحد منهم ما اكتسب من الإثم بقدر ذلك ﴿ والذى تولى كبره ﴾ يعني: الذي تكلم بالقذف ﴿ منهم له عذاب عظيم ﴾ يعني: الحد في الدنيا فأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - الحد عليهم وكان حميد يقرأ والذي تولى كبره بضم الكاف يعني: عظمه قال أبو عبيد: والقراءة عندنا بالكسر وإنما الكبر في النسب وفي الولاء.