كما ذكر تعالى جزاء الكافرين وما يلقونه من العذاب في نار جهنم وهم الذين أساءوا في هذه الحياة الدنيا إلى أنفسهم بشركهم بالله ومكرهم وظلمهم للمؤمنين، ذكر جزاء المحسنين. فقال: ﴿ للذين أحسنوا ﴾ أي آمنوا وعملوا الصالحات متبعين شرع الله في ذلك فأخلصوا عبادتهم لله تعالى ودعوا الناس إلى عبادة الله وحثوهم على ذلك فكانوا بذلك محسنين لأنفسهم ولغيرهم لهؤلاء الذين أحسنوا في الدنيا ﴿ حسنة ﴾ وهي الحياة الطيبة حياة الطهر والعزة والكرامة، ولدار الآخرة خير لهم من دار الدنيا مع ما فيها من حسنة وقوله تعالى: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ثناء ومدح لتلك الدار الآخرة لما فيها من النعيم المقيم وإضافتها إلى المتقين باعتبار أنهم أهلها الجديرون بها إذ هي خاصة بهم ورثوها بإيمانهم وصالح أعمالهم بتركهم الشرك والمعاصي.
وقوله تعالى: ﴿ جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشآؤون ﴾ هو وصف وبيان لدار المتقين فأخبر أنها جنات جمع جنة وهي البستان المشتمل على الأشجار والأنهار والقصور وما لذ وطاب من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمراكب وقوله تعالى: ﴿ لهم فيها ما يشآؤون ﴾ هذا نهاية لإكرام والإنعام إذ كون العبد يجد كل ما يشتهي ويطلب هو نعيم لا مزيد عليه وقوله تعالى: ﴿ كذلك يجزي الله المتقين ﴾ أي كهذا الجزاء الحسن العظيم يجزي الله المتقين في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ﴾ أي طاهري الأرواح لأرواحهم ريح طيبة ثمرة إيمانهم وصالح أعمالهم ونتيجة بعدهم عما يدنس أنفسهم من أوضار الشرك وعفن المعاصي وقوله: ﴿ يقولون ﴾ أي تقول لهم المكلائكة وهم ملك الموت وأعوانه ﴿ سلام عليكم ﴾ تحييهم وفي ذلك بشارة لهم برضا ربهم وجواره الكريم. ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ بأرواحهم اليوم وبأجسامهم غدا يوم القيامة. وقوله ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ أي بسبب ما كنتم تعملونه من الطاعات والمسابقة في الخيرات بعد عمل قلوبكم بالايمان واليقين والحب في الله والبغض فيه عز وجل والرغبة والتوكل عليه. هذا ما تضمنته الآيات [31، 32] وأما الآيات بعد ذلك فيقول الله مستبطئا إيمان قريش وتوبتهم بعد تلك الحجج والبراهين والدلائل والبينات على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى وجوب التوحيد وبطلان الشرك وعلى الإيمان باليوم الآخر.
﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ أي ما ينظرون بعد هذا إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ﴿ أو يأتي أمر ربك ﴾ بإبادتهم واستئصالهم، إذ لم يبق ما ينتظرونه إلا أحد هذين الأمرين وكلاهما مر وشر لهم. وقوله تعالى: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ من كفار الأمم السابقة فحلت بهم نقمة الله ونزل بهم عذابه فأهلكهم. ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ تعالى في ذلك أبدا ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بإصرارهم على الشرك والعناد والمجاحدة والمكابرة ﴿ فأصابهم سيئات ﴾ أي جزاء سيئات ﴿ ما عملوا ﴾ من الكفر والظلم ﴿ وحاق بهم ﴾ أي نزل بهم وأحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزئون ﴾ إذ كانت رسلهم إذا خوفتهم من عذاب الله سخروا منهم واستهزأوا بالعذاب واستخفوا به حتى نزل بهم والعياذ بالله تعالى.
من هداية الآيات:
1- سوء عاقبة المكر وأنه يحيق بأهله لا محالة والمراد به المكر السيء.
2- بيان خزي الله تعالى يوم القيامة لأهل الشرك به والمعاصي له ولرسوله.
3- فضل أهل العلم إذ يتخذ منهم شهداء يوم القيامة ويشمتون بأهل النار.
4- بيان استسلام الظلمة عند الموت وانهزامهم وكذبهم.
5- تقرير معتقد البعث والحياة الآخرة بأروع أسلوب وأحكمه وأمتنه.
6- إطلاق لفظ خير على القرآن وهو حق خير فالذي أوتي القرآن أوتي الخير كله، فلا ينبغي أن يرى أحدا من أهل الدنيا خيرا منه وإلا سخط نعمة الله تعالى عليه.