وذكر دليلا آخر على بطلان ألوهية المسيح فقال: ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء ﴾ وعيسى عليه السلام قد صور في رحم مريم فهو قطعا ممن صور الله تعالى فكيف يكون إذا إلها مع الله أو إبنا لله كما يزعم النصارى؟ وهنا قرر الحقيقة فقال: ﴿ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ فالعزة التي لا ترام والحكمة التي لا تخطىء هما مقتضيات ألوهيته الحقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر ولا يجاحد فيها إلا معاند كوفد نصارى نجران ومن على شاكلتهم من أهل الكفر والعناد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير ألوهية الله تعالى بالبراهين ونفي الألوهية عن غيره من سائر خلقه.
2- ثبوت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بإنزال الله تعالى الكتاب عليه.
3- إقامة الله تعالى الحجة على عباده بإنزال كتبه والفرقان فيها ببيان الحق والباطل في كل شؤون الحياة.
4- بطلان ألوهية المسيح لأنه مخلوق مصور في الأرحام كغيره صوره الله تعالى ما شاء فكيف يكون بعد ذلك إلها مع الله أو ابنا له تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
3.7-9
شرح الكلمات:
محكمات: الظاهر الدلالة البينة المعنى التي لا تحتمل إلا معنى واحدا، وذلك كآيات الأحكام من حلال وحرام وحدود، وعبادات، وعبر وعظات.
متشابهات: غير ظاهرة الدلالة محتملة لمعان يصعب على غير الراسخين في العلم القول فيها وهي كفواتح السور، وكأمور الغيب. ومثل قول الله تعالى في عيسى عليه السلام:
.... وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه..
[النساء: 171] وكقوله تعالى:
..إن الحكم إلا لله..
[الأنعام: 57].
في قلوبهم زيغ: الزيغ: الميل عن الحق بسبب شبهة أو شهوة أو فتنة.
ابتغاء الفتنة: أي طلبا لفتنة المؤمنين في دينهم ومعتقداتهم.
ابتغاء تأويله: طلبا لتأويله ليوافق معتقداتهم الفاسدة.
وما يعلم تأوليه إلا الله: وما يعلم ما يؤول إليه أمر المتشابه إلا الله منزله.
الراسخون في العلم: هم أهل العلم اليقيني في نفوسهم الذين رسخت أقدامهم في معرفة الحق فلا يزلون ولا يشتطون في شبهة أو باطل.
كل من عند ربنا: أي المحكم والمتشابه فنؤمن به جميعا.
أولوا الألباب: أصحاب العقول الراجحة والفهوم السليمة.
ربنا لا تزغ قلوبنا: أي لا تمل قلوبنا عن الحق بعدما هديتنا إليه وعرفتنا به فعرفناه.
هب لنا من لدنك: أعطنا من عندك رحمة.
معنى الآيات:
ما زال تعالى يقرر ربوبيته وألوهيته ونبوة رسوله ويبطل دعوى نصارى نجران في ألوهية المسيح عليه السلام فيقول: هو أي الله الحي القيوم الذي أنزل عليك الكتاب، أي القرآن، منه آيات محكمات، لا نسخ فيها ولا خفاء في معناها ولا غموض في دلالتها على ما نزلت فيه وهذه معظم آي الكتاب وهي أمه وأصله، ومنه آيات أخر متشابهات وهي قليلة والحكمة من إنزالها كذلك الإمتحان والإختبار كالإمتحان بالحلال والحرام، وبأمور الغيب ليثبت على الهداية والإيمان من شاء الله هدايته، ويزيغ في إيمانه ويضل عن سبيله من شاء الله تعالى ضلاله وعدم هدايته. فقال تعالى: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ.. ﴾ أي ميل عن الحق ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ﴾ للخروج به عن طريق الحق وهداية الخلق كما فعل النصارى حيث ادعوا أن الله ثالث ثلاثة لأنه يقول نخلق ونحيي، ونميت وهذا كلام جماعة فأكثر، وكما قالوا في قوله تعالى في شأن عيسى:
.. وروح منه..
[النساء: 171] أنه جزء منه متحد به وكما قال الخوارج في قوله تعالى
..إن الحكم إلا لله..
[الأنعام: 57] فلا يجوز لأحد أن يحكم في شيء وكفروا عليا وخرجوا عنه لتحكيمه أبا موسى الأشعري في حقيقة الخلاف بين علي ومعاوية وهكذا يقع أهل الزيغ في الضلال حيث يتبعون المتشابه ولا يردونه إلى المحكم فيظهر لهم معناه ويفهمون مراد الله تعالى منه. وأخبر تعالى أنه لا يعلم تأويله إلا هو سبحانه وتعالى.