شرح حديث: (إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير ووكيع عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: (ركب رسول الله ﷺ فرسًا بالمدينة فصرعه على جِذم نخلة، فانفكت قدمه فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لـ عائشة يسبِّح جالسًا، قال: فقمنا خلفه فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالسًا، فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا، قال: فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلّوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها)].
أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وفيه أن الرسول ﷺ صرعه فرسه على جذم نخلة، يعني: على أصلها أي جذعها، فانفكت قدمه، وهذا فيه أن القدم انفكت، والحديث الأول فيه: أن شقه الأيمن جُحش، يعني: خُدش، وعرفنا أن كلًا من الراويين ذكر شيئًا مما حصل للرسول ﷺ.
ومن أهل العلم من قال: يحتمل أن تكون واقعتين مختلفتين.
في هذا الحديث أنهم جاءوا ووجدوه يسبّح، يعني: يصلي نافلة؛ لأن النافلة يقال لها: سُبحة، ومنه الحديث الذي فيه: (ولم يسبّح بينهما)، يعني: أنه بين الصلاتين التي يُجمع بينهما كالظهر والعصر، أو المغرب والعشاء لم يكن يتنفل بينهما.
قوله: [(يسبح جالسًا)] يعني: يصلي جالسًا.
قوله: [(فقمنا خلفه)]، أي: يصلون.
قوله: [(فسكت)]، يعني: لم ينههم عن ذلك.
قوله: [(ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالسًا، فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا، فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا)] يعني: تابعوا الإمام في جلوسه وفي قيامه.
قوله: [(ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها)].
يعني: أنهم يقومون على رءوسهم وهم جلوس، وقد جاء في صحيح مسلم: (إن كدتم آنفًا أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على رءوس ملوكهم وهم قعود).
وهذا فيه دليل على أن القيام على الرؤساء والملوك لا يجوز، إلا فيما إذا كان يحضره العدو من أجل يرى هيبة احتفائهم بالإمام واهتمامهم بالإمام؛ لأن هذا حصل في صلح الحديبية لما كان رسول الله ﷺ جالسًا والمغيرة بن شعبة قائم على رأسه.
فهذا يدل على أنه إذا حصل مثل ذلك لا بأس به، ولكن كونه يتخذ ذلك ديدنًا وطريقة فالرسول ﷺ أنكر هذا.
وهو يدل على أن الإمام إذا صلى قاعدًا فالناس يصلون وراءه قعودًا، وجاء أنه في المكتوبة، أما بالنسبة للنافلة فقد جاء أن الرسول ﷺ سكت عنهم، فجاء أنهم صلوا بعده الصلاة جلوسًا في المكتوبة، والمكتوبة أهم من النافلة، مع أن النافلة يجوز أن تصلى عن قعود ولو كان الإنسان قادرًا، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم) يعني: إذا جلس وهو يقدر على القيام.
إذًا: فكون الرسول ﷺ صلى بهم جالسًا في المكتوبة وهي أهم من النافلة دل ذلك على صحة ذلك، وفيه الكلام الذي ذكرته فيما مضى من أن بعض أهل العلم ذهب إلى أنهم يصلون جلوسًا وبعضهم قال: يصلون قيامًا، وبعضهم يقول: يفصل بين بدئهم الصلاة قيامًا وبدئهم الصلاة جلوسًا، فإذا بدءوا الصلاة جلوسًا يستمرون جلوسًا، وإذا بدءوا الصلاة قيامًا يتمون الصلاة قيامًا تبعًا للإمام.