تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرح حديث (واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب أخذ الأجر على التأذين.

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد قال: أخبرنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف بن عبد الله عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: قلت -وقال موسى في موضع آخر: إن عثمان بن أبي العاص قال-: يا رسول الله! اجعلني إمام قومي.

قال: (أنت إمامهم واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرًا)].

يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب أخذ الأجر على التأذين] أي: حكم ذلك، وهل تؤخذ الأجرة على الأذان، أو أنها لا تؤخذ؟ والأذان أو التأذين والإمامة، وتعليم القرآن، وغير ذلك هي من القربات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، فهل يُؤخَذُ على ذلك أجر، أو لا يؤخذ؟ للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: منهم من قال: يجوز أن يأخذ.

واستدلوا على ذلك بما جاء في قصة اللديغ أن الرسول ﷺ لما علم أنهم أخذوا الأجرة على رقيته قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله).

وبعض أهل العلم قال: إن ذلك لا يجوز مطلقًا -أي: أخذ الأجرة-، ولكن يجوز أخذ الجُعْل، وهو: المبلغ الذي يرصد في أوقاف المسلمين، أو من متبرع في ذلك، أو ما يرصد من بيت المال لمن يقوم بهذه المهمة، فهذا جعل لا بأس به، وهو بخلاف الأجرة؛ لأن الأجرة هي اتفاق وارتباط وأنه لا يحصل منه ذلك إلا بمقدار معلوم، وأما الجعل فهو شيء مرصود لمن يقوم بهذه المهمة، إما وقف وإما شيء من بيت المال، وإما تبرعات وإحسان من المحسنين.

وبعض أهل العلم يقول: إن ذلك مثل ولي اليتيم: إن كان غنيًا يستعفف وإن كان فقيرًا يأكل بالمعروف.

والذي يظهر أن أخذ الأجرة لا يجوز والمؤاجرة على ذلك لا تجوز، وأما الجعل وأخذ ما يرصد لذلك من أوقاف وتبرعات وشيء يخصص لذلك من بيت المال فإن لا بأس به، وإنما الذي به بأس أن الإنسان يؤدي العمل وهو في عمله يأخذ في مقابله الأجر كما يأخذ النجار والحداد وغيرهم من أصحاب المهن بأن يكون هذا صاحب مهنة، وأنه يأخذ عليها أجرًا كما يأخذ أصحاب المهن أجرًا على تلك المهن، وفرق بين أصحاب المهن وبين القُرَبْ التي تفعل من أجل الثواب ورجاء ما عند الله عز وجل مما هو خير وأبقى، وإذا حصل جُعْل لمن يقوم بهذا العمل، ولم يكن هو الدافع للإنسان على هذا العمل فذلك خير وسائغ أخذه ولا بأس به.

وفد أورد أبو داود رحمه الله حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي رضي الله عنه أنه طلب من النبي ﷺ أن يجعله إمام قومه فقال: [(أنت إمامهم، واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا)] فجعله إمامهم، وكان واليًا على الطائف، وسبق أن مر بنا الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ أمره أن يجعل المسجد حيث تكون الطواغيت أو أماكن طواغيتهم أو طاغوتهم.

وقوله: [(واقتدِ بأضعفهم)] أي أنه عندما يصلي بهم يراعي حال الضعيف، وحال الكبير، وحال العاجز فيخفف ولا يطيل، لكنه التخفيف الذي لا يكون معه خلل ولا يكون معه نقص، ولكنه لا يطيل الطول الذي يشق، فأرشد عليه الصلاة والسلام إلى أن يراعي حال من يكون ضعيفًا، ومن يكون عاجزًا بحيث لا يطيل إطالة تشق عليه، وإنما يأتي بالصلاة غير مطولة مع إتمامها.

قال: [(واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا)] ومعناه أنه يجعل مؤذنًا للوقت لكن لا يأخذ على أذانه أجرًا، وقد كان السلف يكرهون مثل ذلك، وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمة الله عليه أنه سئل عن إمام يقول لجماعته: أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهمًا.

فقال الإمام أحمد: أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا؟! أي: الذي يكون هذا شأنه، وهمه الدنيا، ولا يفكر إلا في الدنيا، ويشارط الناس بمثل هذه العبارة، فهذا أمر غير سائغ.

وقوله: [(يا رسول الله! اجعلني إمام قومي)] طلب منه أن يسند إليه الإمامة، فهل يجوز طلب الإمامة؟

و

الجواب

إذا كان يترتب على ذلك مصلحة فلا بأس به؛ لأن الإمامة قربة وعبادة وفيها محافظة على الوقت، وهي تدفع الإنسان إلى أن يصلي الجماعة دائمًا وأبدًا، ولا تفوته الجماعة؛ لأنه هو الإمام، وكونه أيضًا يتعاهد القرآن، ويحرص على أن يقرأ القرآن ويتعاهده، إلى غير ذلك من المصالح التي تكون في الإمامة.

ومع ذلك فإن فيها مسئولية وفيها تبعة، وقد مر بنا الحديث: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن).

شرح سنن أبي داود للعباد · الجزء ٧٤ · الصفحة ٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح سنن أبي داود للعبادج ٧٤ · ص ٣