شرح حديث: (التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن تواريه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كراهية البزاق في المسجد.
حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام وشعبة وأبان عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (التفل في المسجد خطيئة، وكفارته أن تواريه)].
قوله: [باب في كراهية البزاق في المسجد].
البزاق: هو ما يخرج من ريق الفم، وإذا كان من أدناه فهو تفل، وإذا كان من أقصاه يقال له: نخامة، ويقال له: بزاق ويقال له: بصاق، وكل ذلك مما لا يسوغ أن يفعل في المسجد؛ وذلك لكونه مستقذرًا تشمئز منه النفوس، ومن أجل ذلك جاء ما يدل على النهي عنه في المساجد، وليس النهي لكونه نجسًا؛ فإنه طاهر.
أورد أبو داود رحمه الله عدة أحاديث، منها ما يتعلق بلفظ التفل، ومنها بلفظ البصاق، ومنها بلفظ النخامة، وغير ذلك، وكلها في معنى واحد، ولكنها تتفاوت في هيئتها وكيفيتها، فالتفل دون البزاق والنخامة؛ لأن الذي يخرج من الحلق ويخرج من الجوف غير الذي يكون في الفم من الريق إذا تفله الإنسان، فكل ذلك من الأمور المستقذرة.
قوله: (التفل في المسجد خطيئة).
أي: أنه سيئ وأنه إثم، ووقوع في أمر مكروه لا يسوغ، ولكنه إذا وُجد فإن عليه أن يدفنه وأن يواريه، وهذا يدل على طهارته؛ لأنه لو كان نجسًا فلا يكفي فيه أن يوارى، فالنجس يغسل ويصبّ عليه الماء، كما جاء في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، حيث أن النبي ﷺ أمر أن يراق عليه ذنوب من ماء حتى يطهر بذلك.
ولكن النبي ﷺ أرشد في البزاق إلى مواراته ودفنه؛ وذلك حتى لا تقع إليه الأنظار وحتى لا تشمئز منه النفوس؛ لكونه شيئًا مستقذرًا تنفر منه الطباع إذا رأته، فإن كون الإنسان يتخلص من مغبة ذلك بأن يواريه وأن يدفنه في تراب المسجد وهذا فيما إذا كان المسجد ترابيًا أو فيه حصباء، أما إذا كان مفروشًا أو مبلطًا فإن الوسخ يظهر عليه سواء كان رطبًا أو يابسًا، ولا يمكن مواراته.
وعلى كُلٍّ فعلى الإنسان في جميع الأحوال أن ينزه المسجد من هذه الأوساخ، ولا يأتي بشيء يسيء فيه إلى المصلين وإلى من في المسجد، بحيث تقع أبصارهم على شيء تشمئز منه نفوسهم وتنفر منه طباعهم، وإنما على الإنسان أن يبصق في ثوبه إذا كان مضطرًا إلى ذلك، أو يبصق في التراب إذا كان المسجد ترابيًا ثم يواريه، أو يبصق عن يساره ويدلكه برجله أو بنعله حتى لا يبقى له أثر.