شرح حديث: (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اتخاذ المساجد في الدور.
حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدُّور، وأن تُنظَّف وتُطيَّب)].
لما ذكر أبو داود رحمه الله في ترجمته السابقة ما يتعلق ببناء المسجد، وأورد الأحاديث في ذلك عقَّبه بهذه الترجمة، وهي: [اتخاذ المساجد في الدور].
والمقصود بالدُّور الأحياء والمحلات والمناطق من البلد، بمعنى أن كل حي أو كل محلة من البلد يكون فيها مسجد، ولا يلزم أن يكون في البلد الواحد مسجد واحد، ولو كان كبيرًا، وإنما يمكن أن تتعدد المساجد، وأن تكون الأحياء والمحلات فيها مساجد، لكن لا تكون متقاربة تقاربًا شديدًا، وإنما يكون بينها مسافة، وهذا هو المقصود بالدور، وهي جمع دار، و(الدار) كما أنه يطلق على البيت الواحد ويطلق على المحلة وعلى الحي من المكان، فليس مقصورًا على المنازل، وهذا هو المقصود من أمره ﷺ باتخاذ المساجد في المحلات والأحياء، حتى يتيسر لأهل تلك الأحياء شهود الجماعة وحضورها، بخلاف ما لو كان المسجد بعيدًا، فقد يشق على بعض الناس شهود الجماعة لبُعد المسجد.
أما إذا كان المسجد قريبًا، وكانت كل محلة فيها مسجد، فإن الإنسان يذهب إلى المسجد بسهولة ويرجع بسهولة، وذلك أدعى لعدم فوات الصلاة جماعة للرجال الذين يجب عليهم أن يصلوا جماعة في المساجد.
قوله: [(أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تُنظَّف وتُطَّيب)] فيه ثلاثة أمور: الأول: اتخاذ المساجد في الدور، وهي المحلات والأحياء من البلد، حتى يسهل للناس حضور صلاة الجماعة، ولئلا يشق عليهم الذهاب إليها في مكان بعيد من البلد.
الثاني: أن تُنظَّف، فيزال عنها الأوساخ والقذر، وتصان وتحفظ، وإذا وقع فيها شيء من الأوساخ فإنه يزال.
الثالث: أن تُطيَّب، أي: يؤتى بالطيب فيها، حتى يشمّ الناس فيها رائحة طيبة.
وقد جاء في التراجم لرجال الحديث اسم: نعيم المجمر، ويسمى المجمر؛ أخذًا من تجمير المسجد، وهو الاتيان بالجمر الذي يوضع عليه العود من الطيب، فتفوح الرائحة الطيبة في المسجد.